حتى نساهم في الحضارة الإنسانية
خاطرة صباحية
في كلّ صباحٍ جديد، يفتح العالم صفحةً أخرى من كتاب التقدّم
ننظر إلى البياض الممتد أمامنا ونسأل
ماذا سنكتب نحن؟
ألسنا بشرًا مثلهم؟
ألسنا أبناء هذه الإنسانية الواسعة
التي لا تعترف إلا بمن يُضيف… لا بمن يكتفي بالمشاهدة؟
خاطرة مسائية
حين نغلق يومنا بتنهيدةٍ طويلة،
نكتشف أن الحضارة ليست أبراجًا شاهقة،
ولا مصانع صاخبة،
بل عقلٌ لا يخاف السؤال،
وقلبٌ يتّسع للاختلاف،
وروحٌ تؤمن بالإنسان كقيمةٍ عليا
لماذا بقينا شعوبًا مستهلكة،
نستهلك الأفكار كما نستهلك السلع،
ونستورد المعنى بدل أن نصنعه؟
نملك الثروات،
ونملك العقول،
ونقف على جغرافيا كانت يومًا
قلب العالم النابض
ومع ذلك نقف اليوم على الهامش
المشكلة لم تكن يومًا في الإمكانات،
بل في المنظومة الفكرية التي أدارت علاقتنا
بأنفسنا وبالعالم
حوّلنا الدين إلى هويةٍ مغلقة
بدل أن يكون أفقًا مفتوحًا،
وجعلنا من الإسلام طقوسًا ساكنة
بدل أن نراه مشروعًا حضاريًا
يدفع العقل إلى الإبداع
والإنسان إلى العمل
الإسلام—في جوهره—
لم يكن يومًا ضد السؤال،
ولا عدوًا للعقل،
بل كان دعوةً دائمة إلى التفكّر
في الكون،
وفي الإنسان،
وفي معنى الاستخلاف
حين ترجم الأوائل علوم الأمم،
ثم أضافوا إليها وابتكروا،
لم يروا في ذلك تهديدًا للإيمان،
بل عبادةً من نوعٍ آخر
عبادة الإتقان
أما اليوم،
فقد اكتفينا بتقديس الحروف،
ونسيْنا روح المعنى
نردّد النصوص،
لكننا نخشى أن نفكّر فيها
نُمجّد السلف،
لكننا لا نجرؤ على أن نُكمل طريقهم
والنهضة—كما يخبرنا التاريخ—
لا تولد من الخطابة،
بل من العمل
من الجرأة على السؤال،
من الإيمان بأن الاجتهاد عبادة،
وأن التفكير ليس خطرًا،
بل فريضة
العقل العربي ليس عاجزًا،
لكنه مُقيَّد
مُقيَّد بالخوف،
وبثقافة التكرار،
وبوهم أن الإبداع ترف،
وأن التفوّق حكرٌ على غيرنا.
وحين يتحرّر هذا العقل
من أسر الاستنساخ،
سينتقل من استهلاك الأفكار
إلى إنتاجها
ولكي نعود شركاء حقيقيين
في الحضارة الإنسانية،
لا بدّ من قرارات شجاعة في الوعي قبل السياسة
- أن نعيد تعريف علاقتنا بالدين
على أساس العقل، والاجتهاد، والإنسانية
- أن نربط التعليم بالإبداع
لا بالحفظ والتلقين
- أن نحتفي بالاختلاف
بوصفه مصدر غنى لا تهديد.
- أن نزرع في أبنائنا قناعةً راسخة
بأن التفوّق لا دين له ولا لون،
بل هو ثمرة عملٍ طويل وإيمانٍ عميق بالذات
الحضارة ليست حلمًا بعيدًا
نُعلّقه على شماعة الزمن،
بل قرارٌ يُتخذ
في صباحٍ أول من الوعي
وحين ندرك أن الله لم يخلقنا
لنكون أتباعًا في آخر الصف،
بل مبدعين في قلب الفعل الإنساني،
سنبدأ رحلة العودة
إلى مكاننا الطبيعي بين الأمم
لا شهودًا على التاريخ،
بل شركاء في صناعته