من يبدّد وهم الحقيقة المؤلمة في مجتمعاتنا

خاطرة صباحية

كلّ صباحٍ جديد يوقظ فينا سؤالًا قديمًا
لماذا نحن كما نحن؟
نفتح أعيننا على أنين أمةٍ كانت يومًا منارةً للعلم والحضارة،
فنراها اليوم عالقةً بين تمجيد الماضي،
والخوف من الحاضر،
والتيه عن المستقبل

خاطرة مسائية

حين يهبط الليل وتخفت ضوضاء المدن،
يتسلّل السؤال الأثقل إلى القلب
هل خسرنا معركتنا مع الزمن
لأننا لم نجرؤ يومًا على التفكير الحر؟

ربما لم نُهزم من الخارج كما نحبّ أن نصدّق،
بل انهزمنا من الداخل
حين أقنعنا أنفسنا أن الركود حكمة،
وأن العجز قدر،
وأن السلامة في الصمت لا في السؤال

الحقيقة المؤلمة—التي نتحايل عليها بكل الطرق—
أننا منذ قرون لم نُضِف إسهامًا نوعيًا يُذكر
إلى مسار الحضارة الإنسانية
بينما تتسابق الأمم في الابتكار والمعرفة،
نقف نحن في طوابير التاريخ
ننتظر دورًا لن يأتي،
لأننا لم نغادر محطة الأمجاد الماضية،
ولم نُدرك أن التاريخ لا يكرّم من ينام على ذكرياته

عجزنا ليس في الموارد ولا في العقول،
بل في الوعي والإرادة
لقد صدّقنا سردياتٍ مريحة
أن التقدّم حكرٌ على غيرنا،
وأننا ضحايا مؤامرة أبدية،
وأن الفشل شرف إذا ارتدى عباءة القدر

تاريخنا السياسي لعب دورًا حاسمًا في هذا الانكسار
حين رُبط الدين بالسلطة،
والعلم بالطاعة،
والتفكير بالخطر
منذ أن تحوّل الحكم من الشورى إلى الوراثة،
أُقصيت إرادة الأمة،
وصار الخوف سياسة،
والطاعة ثقافة،
والسؤال جريمة أخلاقية

ومع الزمن، تكرّست ثقافة الخنوع،
وأُفرغ الدين من جوهره التحرّري،
فصار الناس يردّدون أمثالًا
تزرع الهزيمة في اللاوعي الجمعي
“العين لا تعلو على الحاجب”،
“ابعد عن الشر وغنِّ له”،
“الناس على دين ملوكهم”
هكذا بُرمجت العقول على القبول،
حتى غدت الديمقراطية ديكورًا لغويًا،
تُستعمل في الخطاب وتُمنع في الجوهر

إن ما نحتاجه اليوم
ليس ثورة في الشارع،
بل ثورة في الوعي
ثورة تحرّرنا من وهمٍ خطير:
أن الماضي سقف المستقبل،
وأن الدين نقيض الاجتهاد،
وأن الدولة ملكٌ لا عقد مواطنة

التحرّر الحقيقي يبدأ
حين نعيد تعريف القيم الكبرى
بوصفها مشاريع حياة لا أدوات ضبط
دينٌ يحرّر ولا يُخدّر،
عدالةٌ تحمي ولا تُزيّن،
وسياسةٌ تُدار بالعقل لا بالخوف

لن يتبدّد وهم الحقيقة المؤلمة
إلا حين نمتلك شجاعة المراجعة،
ونواجه ذواتنا قبل أن نواجه العالم
فالأمم لا تموت حين تخسر حروبها،
بل حين تتوقّف عن الحلم

والسؤال الأخير—الأصعب—
ليس: لماذا تخلّفنا؟
بل
هل نملك الشجاعة
أن نحلم من جديد؟
أم نترك الآخرين
يكتبون التاريخ باسمنا
بينما نغفو
على هامشه؟

 

 

 

 

Osama Shakman

Forty years in the sky were not merely a profession, but a long meditation on the meaning of existence. Borders drawn on maps dissolve, and the world becomes a single, living whole, where everything seems small except the human being.

In that altitude, I learned to observe and to understand before I judge, to see turbulence as part of a greater order not immediately visible to the eye. The sky was my first teacher: its vastness teaches humility, and its silence awakens the art of listening.

Today, I exchange the cockpit for the pen—not to recount a professional biography nor to stand on a political platform, but to open a window for reflection. What I write is not borrowed theory, but thoughts born of lived experience—of long flight hours and quiet moments between takeoff and landing.

This space is simply a free ground for thought, where words are kept from noise and the human story is honored, however simple it may seem. For every life, no matter how fleeting, carries a meaning worth telling and a voice worth hearing.

Welcome to a new journey—one measured not in miles, but in depth of thought and breadth of vision.

٤٠ عاما في السماء، عمر من المراقبة

أربعون عامًا في السماء لم تكن مجرد مهنة، بل تأمّلًا طويلًا في معنى الوجود. تتلاشى الحدود التي رسمناها على الخرائط، ويغدو العالم كتلةً واحدة نابضة بالحياة، حيث يصغر كل شيء إلا الإنسان.

في ذلك العلوّ تعلّمت أن أراقب وأفهم قبل أن أحكم، وأن أرى الاضطراب جزءًا من نظامٍ أكبر لا تدركه العين لأول وهلة. كانت السماء معلمي الأول: اتساعها يعلّم التواضع، وصمتها يوقظ الإصغاء.

واليوم أستبدل قمرة القيادة بالقلم، لا لأروي سيرةً مهنية ولا لأعتلي منبرًا سياسيًا، بل لأفتح نافذةً للتأمل. ما أكتبه ليس نظرياتٍ مستعارة، بل أفكار وُلدت من التجربة، من ساعات الطيران الطويلة ولحظات التأمل بين الإقلاع والهبوط.

هذا الفضاء مساحةٌ حرة للفكر، تُصان فيها الكلمة من الضجيج، ويُحتفى بالقصة الإنسانية مهما بدت بسيطة. فكل حياة، وإن بدت عابرة، تحمل معنى يستحق أن يُروى وصوتًا يستحق أن يُصغى إليه.

مرحبًا بكم في رحلةٍ لا تُقاس بالأميال، بل بعمق الفكرة واتساع الرؤية.

Previous
Previous

حتى نساهم في الحضارة الإنسانية

Next
Next

التعليم في الأردن وإمكانية تطويره