التعليم في الأردن وإمكانية تطويره

خاطرة صباحية

كلّ صباحٍ جديد يحمل دفترًا أبيضَ ينتظر قلم المعلّم وفضول الطالب
التعليم ليس جدرانًا وصبّورات،
بل رحلة وعي تبدأ من المدرسة
ولا تنتهي عند آخر شهادة

خاطرة مسائية

حين نغلق الكتب في المساء،
لا ينبغي أن نغلق معها عقولنا
فالتعليم الحقيقي لا يُقاس بعدد الصفحات المحفوظة،
بل بعدد الأسئلة التي وُلدت في العقول،
وبالقدرة على التفكير حين يغيب النموذج الجاهز

يعيش التعليم في الأردن لحظة مفصلية
بين إرثٍ تقليديّ طويل
وضرورةٍ ملحّة للتجديد
ورغم الاستراتيجيات والخطط المتعاقبة،
ما يزال النظام التعليمي في جوانب كثيرة
أسير التلقين لا التفكير،
والشهادة لا المهارة

 أزمة الفلسفة التربوية

ليست المشكلة في الأبنية أو الكتب فقط،
بل في الفلسفة التي توجّه العملية التعليمية
ما زلنا نُتقن تعليم الحفظ
ونُخفق في تعليم التفكير
نغلق أبواب التجريب،
فنقتل الفضول… والفضول هو الشرارة الأولى للإبداع

التحوّل المطلوب
من نموذج “المعلّم المُلقّي”
إلى نموذج “المدرّب الموجّه”،
حيث تصبح المدرسة مساحةَ سؤالٍ وبحث،
لا قاعةَ تلقينٍ واختبار

فجوة العدالة التعليمية

تشير تقارير اليونسكو
إلى أن العدالة التعليمية في الأردن
تقف في منطقةٍ متوسطة
مدارس المدن الكبرى تحظى بفرصٍ أفضل،
بينما تكافح المدارس في الأطراف
من أجل صفّ أقل اكتظاظًا،
وكتابٍ مكتمل،
ومعلّمٍ لم تُنهكه الظروف

هذه الفجوة
لا تُضعف التعليم فقط،
بل تُنتج تفاوتًا في الوعي والمهارات
داخل الوطن الواحد،
وهو أخطر أشكال اللامساواة

ظاهرة الدروس الخصوصية

تحوّلت الدروس الخصوصية
من استثناءٍ علاجي
إلى نظامٍ موازٍ للتعليم الرسمي
أصبحت الأسرة تدفع
لتعويض ما تعجز المدرسة عن تقديمه،
في مؤشرٍ واضح
على خللٍ بنيوي في الجودة

حين يصبح “السوق”
أقوى من الصفّ،
فإن النظام يحتاج مراجعة جذرية
لا حلولًا ترقيعية

النموذج الياباني: التعليم بالحياة

عند النظر إلى تجربة اليابان
نجد فلسفة مختلفة جذريًا
التعليم تربية قبل أن يكون تدريسًا
الانضباط، احترام الآخر،
العمل الجماعي،
والتعلّم بالممارسة
تسبق الامتحان والدرجات

المعلّم هناك
صانع إنسان لا ناقل معلومات،
والمناهج تُصمَّم لخدمة الفرد والمجتمع معًا،
لا لإرهاق الطالب
في سباق علامات بلا معنى

أهم الدروس المستفادة
هي التوازن بين المركزية واللامركزية
الدولة تضع الإطار،
لكن المدرسة والمعلّم والمجتمع
يصوغون الممارسة اليومية الحيّة

الطريق نحو التعليم الأردني الجديد

الإصلاح الحقيقي
لا يكون جزئيًا،
بل مشروعًا وطنيًا متكاملًا،
يقوم على محاور واضحة:

-        إعادة صياغة فلسفة التعليم لتقوم على الإبداع، التفكير النقدي، والتعلّم الذاتي

-        تطوير المناهج لتتصل بالحياة وسوق العمل وتُنمّي مهارات حلّ المشكلات

-        تدريب المعلمين المستمر على أساليب التعليم التفاعلي والرقمي

-        تعزيز العدالة التعليمية بالاستثمار الجاد في المدارس الحكومية في الأطراف

-        دمج التكنولوجيا كأداة تعلّم، وتوظيف الذكاء الاصطناعي لتخصيص التعليم وفق قدرات كل طالب

التعليم ليس مشروع وزارة،
بل مشروع وطن
ووطنٌ يريد أن ينهض
لا بدّ أن يبدأ من الصفّ الأول،
من المعلّم الأول،
من الدرس الأول
الذي يعلّم الطالب
أن يسأل قبل أن يحفظ

وحين نصل إلى يوم
يُخطئ فيه الطالب بلا خوف،
ويفكّر بصوتٍ عالٍ بلا سخرية،
عندها فقط
يمكن أن نقول
إننا بدأنا طريق الإصلاح الحقيقي

 

 

Osama Shakman

Forty years in the sky were not merely a profession, but a long meditation on the meaning of existence. Borders drawn on maps dissolve, and the world becomes a single, living whole, where everything seems small except the human being.

In that altitude, I learned to observe and to understand before I judge, to see turbulence as part of a greater order not immediately visible to the eye. The sky was my first teacher: its vastness teaches humility, and its silence awakens the art of listening.

Today, I exchange the cockpit for the pen—not to recount a professional biography nor to stand on a political platform, but to open a window for reflection. What I write is not borrowed theory, but thoughts born of lived experience—of long flight hours and quiet moments between takeoff and landing.

This space is simply a free ground for thought, where words are kept from noise and the human story is honored, however simple it may seem. For every life, no matter how fleeting, carries a meaning worth telling and a voice worth hearing.

Welcome to a new journey—one measured not in miles, but in depth of thought and breadth of vision.

٤٠ عاما في السماء، عمر من المراقبة

أربعون عامًا في السماء لم تكن مجرد مهنة، بل تأمّلًا طويلًا في معنى الوجود. تتلاشى الحدود التي رسمناها على الخرائط، ويغدو العالم كتلةً واحدة نابضة بالحياة، حيث يصغر كل شيء إلا الإنسان.

في ذلك العلوّ تعلّمت أن أراقب وأفهم قبل أن أحكم، وأن أرى الاضطراب جزءًا من نظامٍ أكبر لا تدركه العين لأول وهلة. كانت السماء معلمي الأول: اتساعها يعلّم التواضع، وصمتها يوقظ الإصغاء.

واليوم أستبدل قمرة القيادة بالقلم، لا لأروي سيرةً مهنية ولا لأعتلي منبرًا سياسيًا، بل لأفتح نافذةً للتأمل. ما أكتبه ليس نظرياتٍ مستعارة، بل أفكار وُلدت من التجربة، من ساعات الطيران الطويلة ولحظات التأمل بين الإقلاع والهبوط.

هذا الفضاء مساحةٌ حرة للفكر، تُصان فيها الكلمة من الضجيج، ويُحتفى بالقصة الإنسانية مهما بدت بسيطة. فكل حياة، وإن بدت عابرة، تحمل معنى يستحق أن يُروى وصوتًا يستحق أن يُصغى إليه.

مرحبًا بكم في رحلةٍ لا تُقاس بالأميال، بل بعمق الفكرة واتساع الرؤية.

Previous
Previous

من يبدّد وهم الحقيقة المؤلمة في مجتمعاتنا

Next
Next

انتشار الفساد: حلولٌ تتطلّب شراكةً مجتمعية