من هيروشيما إلى غزة وإيران… حين تصبح الحضارة رهينة كلمة
بعد واحدٍ وثمانين عامًا على هيروشيما، ما يزال ذلك الصباح قائمًا في ضمير البشرية كأن الزمن لم يمضِ عليه. ففي السادس من آب ١٩٤٥ لم تُدمَّر مدينة فحسب، بل انكشف وجهٌ آخر للحضارة؛ وجهٌ يستطيع أن يبلغ ذروة المعرفة، ثم يعجز عن بلوغ القدر نفسه من الرحمة. ومنذ ذلك اليوم لم يعد السؤال: ماذا يستطيع الإنسان أن يصنع؟ بل: هل يملك من الحكمة ما يمنعه من استعمال كل ما يستطيع صنعه؟
لم تكن هيروشيما تعرف أنها ستغدو رمزًا لنهاية البراءة في عصر العلم. كان أهلها يمضون إلى أعمالهم ومدارسهم، يخططون لمساء عادي، ثم جاء ضوء لم يكن نورًا، وترك وراءه مدينة تبحث بين الرماد عن أبنائها. ومن هنا تبدأ المأساة الحقيقية: حين تتحول حياة البشر في لغة السياسة إلى أرقام، ويصبح الفناء احتمالًا يمكن مناقشته ببرودة الكلمات
ولهذا يثير القلق أن تعود هيروشيما نفسها إلى الخطاب السياسي المعاصر. ففي عام ٢٠٢٤ استحضر السيناتور الأمريكي ليندسي غراهام قصف هيروشيما وناغازاكي في حديثه عن الحرب في غزة، مستندًا إلى ذلك المثال التاريخي في تبرير منح إسرائيل ما تحتاجه لإنهاء الحرب. ثم جاء عام ٢٠٢٦، حين تحدث الرئيس دونالد ترمب عن إيران بلغة بلغت حد القول إن "حضارة كاملة ستموت" إن لم يتم التوصل إلى اتفاق
المخيف هنا ليس اسم دولة ولا هوية شعب، بل اعتياد اللغة على فكرة المحو. فالحضارة ليست حكومة ولا قاعدة عسكرية؛ إنها ذاكرة أجيال، وقصيدة، وكتاب، وبيت، وموسيقى، وأم تنتظر أبناءها، وطفل لا يعرف شيئًا عن خرائط الصراع. وحين تصبح حضارة بأكملها موضوعًا لتهديد، فإن الخطر لا يقع عليها وحدها، بل على معنى الإنسانية ذاته
ولا يجوز أن تتحول الذاكرة إلى كراهية للشعوب، فالشعوب غالبًا هي من يدفع ثمن القرارات، لا من يصنعها. لكن من واجب التاريخ أن يحاسب الفكرة كلما عادت: أن النصر قد يبرر كل شيء، وأن القوة تمنح صاحبها حق تجاوز الإنسان
فالأسلحة النووية لا تبدأ باليورانيوم أو البلوتونيوم؛ تبدأ بالكلمات، حين يعتاد الضمير سماع "المحو" و"الإبادة" و"زوال الحضارة" من دون أن يرتجف
ولهذا تبقى هيروشيما حاضرة، لا كي نكره أمة، بل كي نخشى على الإنسان من الإنسان. وبعد واحدٍ وثمانين عامًا، قد تكون خيانة الضحايا الكبرى ألا تتكرر القنبلة نفسها، بل أن تصبح الفكرة التي أنجبتها مألوفة من جديد