رحلةٌ ابتدأت بالبصر وانتهت بالبصيرة
وقد جاوزت السبعين، وصار بين أول الطريق وآخره عمرٌ كامل، أعود بذاكرتي إلى صويلح، ثم إلى جبل التاج، فأرى طائرات مطار ماركا تعلو وتهبط كما رأيتها في طفولتي: أجسامًا بعيدة تشق الفضاء، وتوقظ في نفسي شوقًا لم أكن يومئذ أعرف له اسمًا. لم أفقه كيف تطير، ولا ما يجري في قمراتها، ولا ما وراء أجنحتها من علم ودقة ومسؤولية؛ كنت أراها بعيني، بينما كان شيء في داخلي يرى أبعد مما أستطيع فهمه
لعل الإنسان يبدأ أحيانًا طريقه قبل أن يعرف أنه بدأه. ينجذب إلى شيء لا يملك له تفسيرًا، ثم تمضي الأعوام فيكتشف أن ذلك الميل الأول لم يكن نزوة عابرة، بل بذرة معنى كانت تنتظر زمنها. هكذا كانت الطائرة بالنسبة إليّ: منظرًا في السماء أول الأمر، ثم حلمًا، ثم مهنةً، ثم امتحانًا، وأخيرًا مرآةً رأيت فيها نفسي
مضت السنون، وصار ما كنت أتابعه من الأرض عالمًا أدخل إليه. جلست في قمرة القيادة وأنا أظن، كما يظن المرء في شبابه، أن الوصول إلى الحلم نهاية السعي. لكنني سرعان ما أدركت أن بعض الأحلام لا تكافئنا بمنحنا ما تمنيناه، بل بتغيير الإنسان الذي تمنّاه
لم تعد الطائرة عندي جناحين ومحركات وأجهزة، بل أرواحًا استودعتني سلامتها. صار لكل قرار وزن، ولكل تردد ثمن، ولكل تفصيل صغير قدرة على أن يصنع فرقًا كبيرًا. وتعلمت أن الطيار لا يحمل المسافرين وحدهم؛ يحمل معهم أمهات ينتظرن، وأبناء يترقبون، وبيوتًا لا تعرف شيئًا عمّا يجري فوق السحاب، لكنها تعقد رجاءها على عودة من تحب. هناك تغير معنى الطيران في نفسي. كنت أظن أن المهنة ستعلمني كيف أصعد، فإذا بها تعلمني كيف أتواضع
كلما اتسعت معرفتي اتسع أمامي ما لا أعرفه. وكلما ازدادت خبرتي ازداد احترامي لاحتمال الخطأ. لم يعد اليقين عندي أن أكون واثقًا من كل شيء، بل أن أعرف متى أتوقف، ومتى أسأل، ومتى أراجع قرارًا ظننته صائبًا. أدركت أن أخطر ما يصيب صاحب الخبرة ليس نقص المعرفة، بل أن يظن أنه تجاوز الحاجة إليها
وفي عالم لا تعرف فيه الريح رتبة قائد، ولا تحترم السحب سنوات خدمته، يتعلم المرء أن الطبيعة لا تفاوض الغرور. السماء لا تنحاز إلى أحد؛ تعطي من يحترم قوانينها قدر ما تعطي، وتأخذ ممن يستخف بها بقدر ما يهمل. ومن هنا لم يعد التواضع فضيلة أخلاقية في نظري فحسب، بل أصبح جزءًا من شروط السلامة
وتعلمت من الخوف أيضًا ما لم أكن أعرفه. ففي البدايات كنت أظن أن الشجاع هو من لا يخاف، ثم فهمت أن انعدام الخوف قد يكون جهلًا بالخطر لا تفوقًا عليه. الشجاعة الحقيقية أن يشعر الإنسان بالخطر من غير أن يسلمه عقله، وأن يبقى قادرًا على الحكم حين تتسارع نبضات قلبه. فالثبات ليس قسوةً في الإحساس، بل انتظام الفكر في ساعة الاضطراب
عبرت مدنًا كثيرة، ورأيت الأرض من ارتفاع يجعل الحدود التي يتخاصم عليها الناس أقل وضوحًا، ويجعل المدن التي نتصورها عوالم منفصلة نقاطًا متجاورة في ليل واحد. ومن الأعلى تتغير المقاييس؛ ليس لأن الأشياء تفقد قيمتها، بل لأن العين تتحرر قليلًا من وهم المركز
رأيت بلدانًا تتباين ألسنتها وعاداتها ووجوهها، لكنني رأيت الإنسان فيها واحدًا في جوهره. في كل مطار كان هناك من يودع، ومن ينتظر، ومن يخشى التأخر، ومن يفرح باللقاء. واكتشفت أن المسافات تغير أسماء المدن، لكنها لا تغير طبيعة القلب. البشر مختلفون في كل شيء تقريبًا، ومتقاربون في الأشياء التي تمس أرواحهم: الخوف، والمحبة، والفقد، والرجاء
وهنا بدأ السفر يعلمني ما لا تقوله الخرائط: أن المعرفة الحقيقية بالعالم لا تأتي من كثرة البلدان التي نزورها، بل من مقدار ما نسقطه من أوهامنا ونحن نعبرها. وعلى امتداد الطريق، قابلت رجالًا تركوا في نفسي ما هو أبقى من التعليم الرسمي. تعلمت من بعضهم أن الصمت قد يكون أبلغ من الكلام، ومن آخرين أن الحزم لا يحتاج إلى قسوة، وأن القيادة لا تعني أن يعرف المرء كل الإجابات، بل أن يصنع بيئة يستطيع فيها الآخرون أن يقولوا الحقيقة من غير خوف
ثم دارت الأيام، وأصبحت أقف أمام طيارين أصغر سنًا يبحثون في تجربتي عما كنت أبحث عنه يومًا في خبرة من سبقوني. عندئذ فهمت أن المعرفة لا تكتمل حين نمتلكها، بل حين تصبح نافعةً لغيرنا. وأن الأمانة لا تنتقل بالرتب، وإنما بالقدوة
فقد يحمل الإنسان لقبًا كبيرًا ولا يترك شيئًا وراءه، وقد يمر في حياة الآخرين بهدوء ثم تبقى طريقته في التفكير، أو كلمته في لحظة حرجة، أو موقفه عند الخطأ، جزءًا من سلوكهم بعد أن يغيب. لذلك لم أعد أرى الإرث في الأسماء المكتوبة على الأبواب، بل في شيء من الإنسان يستمر في أعمال آخرين من غير أن يحمل اسمه
ومرت العقود حتى جاء اليوم الذي دخلت فيه قمرة القيادة لآخر مرة بصفتي قائدًا. لم تكن الأجهزة مختلفة، ولا أصوات الطائرة جديدة، ولا المدرج مجهولًا، لكنني كنت أنظر إلى كل شيء بعين أخرى. فحين يعرف الإنسان أنه يودع شيئًا عاش معه زمنًا طويلًا، تنكشف له تفاصيل كان الاعتياد يحجب معناها
جلست في المقعد الذي صاحَبَني سنوات، وشعرت أنني لست وحدي. كان في داخلي ذلك الطفل الذي رفع رأسه يومًا إلى طائرات ماركا، والشاب الذي دخل عالمًا أكبر من معرفته، والمتدرب الذي كان يخشى الخطأ، والطيار الذي ظن في مرحلة ما أنه عرف كثيرًا، ثم علّمته الحياة أن المعرفة لا تنتهي. كانوا جميعًا يجلسون معي في تلك الرحلة الأخيرة
وحين بدأت الطائرة تتحرك نحو المدرج، أدركت أن المقاعد لا تنتمي إلى من يجلسون فيها. نحن نعبرها زمنًا، ثم ننهض ليأتي غيرنا. المناصب كذلك، والألقاب كذلك، وربما الحياة كلها. نتصرف أحيانًا كأن ما بأيدينا ملك دائم، بينما نحن في الحقيقة أمناء عليه لفترة قصيرة
أقلعت الطائرة، ورأيت الأفق الذي شاهدته آلاف المرات، لكنه بدا في ذلك اليوم مختلفًا. لم يكن الأفق قد تغير؛ الذي تغير هو إدراكي له. عند اقتراب الفراق، تستعيد الأشياء قدرتها على الإدهاش، لأننا نراها بعدما تحررت من عادة التكرار. وسألت نفسي فوق السحاب: ما الذي بقي لي من هذا العمر؟
الطائرات تغيرت، وجاءت أجيال من الآلات بعد أخرى. مدن كثيرة ابتعدت، وبعض الوجوه غابت، والمناصب انتهت في اليوم الذي غادرها أصحابها. فما الذي يستحق أن يسمى حصيلة رحلة امتدت أكثر من أربعين عامًا؟ وجدت أن الجواب لم يكن في عدد الساعات ولا الرحلات ولا المناصب
كان فيما صنعته التجربة في داخلي. بقي ميزان أعرف به أن الارتفاع لا يمنح الإنسان قيمةً في ذاته، وأن السلطة المؤقتة لا تجعل صاحبها أكبر من غيره، وأن الخبرة إن لم تورث صاحبها رحمةً وتواضعًا فقد تعلم المهنة ولم يتعلم منها
وعندما لامست العجلات الأرض في الهبوط الأخير، لم أشعر أن السماء أُغلقت في وجهي. كان الشعور أقرب إلى أنني أعدت إليها شيئًا استعرته زمنًا طويلًا. تركت المقعد، لكنني أخذت معي ما لا تستطيع شركة ولا طائرة ولا وظيفة أن تسترده. أخذت معنى المسؤولية. أخذت معرفة حدود الإنسان. أخذت احترام الخطأ قبل وقوعه. وأخذت يقينًا بأن قيمة الرحلة لا تظهر كاملة ونحن في أثنائها؛ فبعض الطرق لا نفهمها إلا بعدما ننظر إليها من آخرها
خرجت من القمرة، لكنها بقيت في داخلي بطريقة أخرى. بقيت أصوات الليل فوق السحاب، وفجرٌ شاهدته من ارتفاع لم يكن يراه من ناموا تحتنا، ووجوه رفاق تقاسمت معهم ساعات لا يعرفها إلا من عاشها، وقرارات مرت في لحظات قليلة لكنها بقيت في الذاكرة سنوات
واليوم، حين أعود إلى ذلك الطفل الذي كان ينظر من جبل التاج إلى طائرة تصعد من ماركا، أشعر أنني أفهم نظرته أكثر مما كان هو يفهمها. ولو استطعت أن أقف إلى جواره، لما قلت له: ستصبح طيارًا. فالطيار كان مهنة، أما الرحلة فكانت أوسع من المهنة. كنت سأقول له: ستذهب بعيدًا كي تعرف أن أبعد المسافات هي تلك التي تفصل الإنسان عن نفسه. سترتفع فوق الأرض حتى تكتشف أن العلو الحقيقي ليس في القدم التي تفصلك عنها، بل في مقدار ما تتخلص منه من غرور. وستعبر البحار والمدن لتعرف أن العالم أكبر من أفكارنا عنه، وأن الإنسان أقرب إلى أخيه الإنسان مما توحي به الحدود
وستحمل أناسًا كثيرين إلى مقاصدهم، حتى تدرك في آخر الطريق أن أصعب وصول هو أن يصل المرء إلى ذاته فلا يجدها غريبة عنه. لهذا أرى اليوم أن رحلتي بدأت بالبصر؛ بعين طفل تتبع طائرة بعيدة في السماء. لكنها انتهت بالبصيرة؛ بعين تعلمت أن ترى ما وراء الطائرة، وما وراء المهنة، وما وراء النجاح ذاته. لم أكن طوال تلك السنين أتعلم الطيران وحده. كنت أتعلم، من حيث لا أدري، كيف أفهم الإنسان الذي يسكنني. وكانت السماء مدرسة واسعة لا تمنح شهادتها عند أول إقلاع، بل ربما تؤجلها حتى آخر هبوط
واليوم لا أسأل نفسي إلى أي ارتفاع وصلت، بل: ماذا فعل ذلك الارتفاع بروحي؟ ولا أسأل كم مدينة رأيت، بل: كم حكمًا سابقًا تركته بعدما رأيت العالم؟ ولا أسأل أي المناصب بلغت، بل: أي إنسان خرج منها بعد أن انتهت؟ فالحياة لا تُقاس بما جمعناه من المسافات، وإنما بما اختصرناه من المسافة بيننا وبين الحقيقة
ومن رفع بصره إلى غاية بعيدة، فليجعل سؤاله أكبر من مجرد الوصول إليها. ليس المهم أن تبلغ ما حلمت به، بل أن تعرف أي إنسان ستصبح حين تبلغه. فالطريق الذي لا يغيّر صاحبه انتقالٌ بلا معنى، والمعرفة التي لا تلد تواضعًا حجابٌ جديد، والعمر الذي يمضي من غير أن يتحول إلى بصيرة ليس إلا زمنًا عبر بنا، ولم نعبر نحن إلى حكمته