الجزء السادس: حين صار البحر آخر الأرض

ليس التهجير أولَ خطوةٍ يخطوها المرء خارج داره، ولا أولَ متاعٍ يشدّه إلى ظهره، ولا أولَ طريقٍ يسلكه نحو المجهول؛ إنما يبدأ يوم ينصدع اليقين في صدره، ويغدو الموضع الذي كان مأمنًا موضعَ ريبة، والبيت الذي كان يسكن إليه سؤالًا معلّقًا بين البقاء والزوال. يبدأ حين يبيت الرجل تحت سقفه فلا يدري أهو سقف ليلته أم آخر ما يظلّه من داره، وحين يخفي القوت خشية السلب بعدما كان يدّخره للشتاء، وحين يؤخر إصلاح جدار أو سقف لأنه لا يعلم أتدركه الأيام فيه أم تدفعه منه قبل تمام العمل

ويبدأ التهجير حين يطيل المرء الوقوف عند قبر أبيه، لا ليقرأ الفاتحة وحدها، بل ليتأمل التراب كأنه يسأله: أهذه آخر زيارة؟ وحين يدعو أبناءه إلى ألا يبتعدوا عن الدار، لا خشية أن يضلوا الطريق، بل مخافة أن يأتي الرحيل قبل أن يعودوا. هناك يصبح الإنسان غريبًا وهو بين أهله، ومنفيًا وهو على أرضه؛ فالمنفى ليس دائمًا مسافة بين موطنين، بل قد يكون مسافة تنشأ بين الإنسان وغده

تبقى الجبال جبالًا، والأنهار في مجاريها، والطرق على حالها، غير أن ما يصل الإنسان بها يكون قد تصدّع. فالوطن لا يضيع حين تفارقه القدم وحدها، بل حين يعجز القلب عن أن يبني فيه غدًا. وما دام المرء يزرع وهو واثق بالحصاد، ويبني وهو يرجو السكن، ويولد له طفل فيتخيل مستقبله في الأرض نفسها، فإنه مقيم في وطنه حقًا. فإذا صار الغد مجهولًا، والحصاد مشكوكًا فيه، والبيت مؤقتًا، فقد بدأ الاقتلاع وإن ظل صاحبه جالسًا عند موقده

وبين عامي ١٨٦١ و١٨٦٢ أخذ هذا الاقتلاع يتجاوز الخوف إلى فعلٍ أشد وقعًا. لم تعد الحرب مقصورة على إخضاع موضع أو معاقبة جماعة قاومت، بل أخذت تضرب صلة الناس بأرضهم نفسها. قرى تُخلى، وأخرى تُحرق، وطرق تُغلق، وأسر تنزح من وادٍ إلى وادٍ، حتى صار الانتقال عادة فرضتها الضرورة. ولم يكن كثير ممن تحركوا نحو البحر قد عقدوا العزم منذ أول الأمر على الرحيل إلى الدولة العثمانية؛ فقد خرج بعضهم إلى قرية قريبة يظنها أأمن، ثم إلى موضع أبعد، ثم إلى مكان آخر، وكل انتقال يحمل وعدًا خفيًا بالعودة

كانوا يتراجعون خطوةً ليحفظوا ما بقي، فإذا الخطوة تصير مسافة، والمسافة فراقًا. وما إن يتركوا قرية حتى يتبدل أمرها؛ تحترق، أو يدخلها غيرهم، أو يُغلق الطريق إليها. ثم يمتلئ المكان الذي لجؤوا إليه بنازحين آخرين، فيضيق بهم، فيتحركون ثانية. وهكذا لم يكن البحر مقصدهم الأول، بل كان آخر ما بقي حين انسدت سائر الجهات. لم يختاروا الشاطئ لأنهم أحبوا السفر، بل لأن اليابسة نفسها أخذت تُغلق أبوابها وراءهم

وكانت كل أسرة تحمل من متاعها ما استطاعت، لا ما أرادت. ثوبًا، وإناءً، وأداة عمل، وقليلًا من الطعام، وربما شيئًا صغيرًا لا نفع له في الطريق لكنه يحمل معنى البيت: مفتاح، أو قطعة نسيج، أو متاعًا خلّفه أب أو أم. فالإنسان حين يضيق به المكان لا يختار الأشياء على قدر قيمتها في السوق، بل على قدر ما تحفظه من حياته. وقد تُترك أموال كثيرة ويُحمل شيء صغير، لأن الذاكرة لا تعرف حساب التجار

أما ما عجزت الأيدي عن حمله، فقد حملته الصدور: أسماء القرى، ومواقع القبور، ورائحة المطر فوق الجبال، وأصوات البيوت عند المساء، ومواسم الزرع والحصاد. لم يكن في السفينة متسع لهذه الأشياء، لكنها عبرت البحر معهم لأنها لم تكن متاعًا، بل جزءًا منهم

ومع تكاثر الجموع، غدت السواحل مواضع انتظار أثقل من أن تحتملها الأرض والناس. لم تكن معسكرات أُعدت قبل وصولهم، بل تجمعات نشأت أسرع مما تستطيع الإدارة أن تدبره. قل الطعام، وضاق المأوى، واشتد البرد، وانتشر المرض بين أجساد أنهكها النزوح قبل أن تبلغ البحر. وكانت السفن أقل من المنتظرين، فإذا ظهر شراع في الأفق اضطرب الساحل كله بين رجاء وفزع: من يصعد؟ ومن يبقى؟ ومن يضمن أن السفينة التي تُرجى منها النجاة لن تصبح هي الأخرى بابًا للهلاك؟

وهناك تبدل وجه العجز. في الجبال كان الرجل يعرف الطريق والخصم ومواقع الماء ووجوه من حوله. أما على الساحل فقد صار مصيره متعلقًا بأناس لا يعرفهم؛ موظف يقدّم اسمًا ويؤخر آخر، ووسيط يطلب أجرًا، وربان يحدد ما تحتمله سفينته، وتاجر قد يرى في الضرورة بابًا للكسب، وسلطات تتدبر أين تستقبل هؤلاء وكيف توزعهم. ومن كان يعرف كل منعطف بين قريته وجبله أصبح ينتظر غريبًا يخبره متى يتحرك وإلى أين

ولعل أشد ما في الفقد ألا يفقد الإنسان وطنه فحسب، بل أن يفقد حقه في ترتيب لحظة الفقد نفسها. لم يكن في استطاعة كثيرين أن يختاروا ساعة الوداع، ولا أن يجمعوا جميع أهلهم، ولا أن يحملوا ما يريدون، ولا أن يعرفوا الأرض التي ستنتهي إليها الرحلة. صار زمان المغادرة ووسيلتها ووجهتها في أيدي آخرين، وغدا صاحب المصير آخر من يملك أمره

وقد عرفت في الطيران أن المركبة لا تُعد رحلة يقودها أهلها إذا ضاعت منهم السيطرة على الاتجاه والارتفاع والسرعة؛ حينئذ تصبح محكومة بما يفرضه الخلل والريح والوقت. وكذلك كان هؤلاء؛ فقد فُقدت السيطرة أولًا على الأرض، ثم على الطريق، ثم على لحظة الرحيل نفسها. وما بقي لهم من الإرادة لم يكن إلا القدرة على احتمال ما لم يختاروه

وكان البحر الأسود أمامهم أشبه بحكم مؤجل. خلفهم أرض انغلقت مسالك الرجوع إليها، وأمامهم ماء لا يخبرهم بما وراءه. كانوا ينتظرون السفينة ثم يخافون مجيئها؛ لأن ظهورها يعني أن الانتظار قد انتهى، لكنه يعني أيضًا أن اللحظة التي ظلوا يؤجلونها قد حانت: أن يسلموا أنفسهم للماء

ولم يعرف أكثرهم الضفة الأخرى إلا من أخبار تتناقلها الألسن ووعود تزداد جاذبية كلما اشتد اليأس. قيل إن الدولة العثمانية ستستقبلهم، وإن أرضًا ومأوى وقوتًا ينتظرونهم. وفي ساعة الضيق لا يطلب الإنسان من الوعد برهانًا كاملًا؛ يكفيه أن يمنحه سببًا كي يصبر ليلة أخرى. وهكذا صنع الخيال قبل السفن بيوتًا لم تُبنَ، وحقولًا لم تُزرع، وحياة لم تعرف بعد أسماء القادمين إليها

فإذا دنت السفينة تحرك الساحل. يحمل الرجال ما استطاعوا، وتضم النساء الأطفال، وتتعلق الأبصار بما أقبل من البحر. لكن السفن اختلفت في أحجامها وأحوالها واستعدادها، ولم تكن جميعها مهيأة لجمعٍ بلغها منهكًا بالجوع والمرض. وإذا ضاق المكان بمن يريدون الصعود، صار الرجاء خصومة بين خوفين: خوف البقاء وخوف الرحيل

وقد يُحسم مصير أسرة في دقائق. يصعد الأب ويبقى أحد الأبناء، أو تتقدم الأم ويتأخر المريض، ثم يتحرك المركب قبل أن يعرفوا أهو فراق إلى حين أم فراق لا لقاء بعده. وما أقسى أن تكون لحظة واحدة أقصر من أن يُفهم ما يقع فيها، وأطول من عمر كامل بما تتركه من أثر

وحين تمتلئ السفينة تضيق الدنيا حتى تصبح مساحة الجسد نفسه موضع نزاع. يقل الماء، ويثقل الهواء، وتتجاور الأجساد على ما بها من إنهاك وحمى. والمرض لا يحتاج إلى طريق؛ جسد واحد ضعيف يكفي لأن تمتد العدوى بين أناس لم تمنحهم الرحلة فراغًا ولا دواء. وحينئذ قد تتحول السفينة التي صعدها المرء فرارًا من الموت إلى موضع يلقاه فيه

وكان الأطفال والشيوخ والمرضى أشد الناس تعرضًا للهلاك؛ لأن البحر لم يستقبل أجسادًا قوية خرجت لتوها من بيوت آمنة، بل أجسادًا استنفدها النزوح والجوع والبرد قبل أن ترى الماء. فما كان العبور بداية المحنة، بل فصلًا جديدًا منها

ولطالما عبرت البحار من علٍ، فأراها صفحة ممتدة لا تكشف لمن ينظر إليها هدوءها من بعيد ما تختزنه من مهابة. لكنني عبرتها في طائرة صنعت على حساب، تحف بها أجهزة الملاحة والاتصال، وتسبقها تقارير الطقس، ويُحسب لها الوقود، وتُرسم لها البدائل، فإن سد طريق فثم طريق آخر، وإن تعذر مطار فربما أمكن قصد غيره

أما أولئك فلم يملكوا من هذا شيئًا. لم يعرف الراكب ما تحتمل السفينة، ولا كم يبلغ الطريق، ولا كيف يتغير الطقس، ولا أين يكون الملجأ إن هاج البحر. لم يكن له مسار يغيره، ولا ميناء يختاره، ولا نداء يرسل به طلبًا للنجدة. كان داخل رحلة لا يملك أولها ولا وسطها ولا خاتمتها

ولو عاد المركب إلى الساحل، فأي عودة تلك؟ إلى مخيم جائع؟ إلى طريق مغلق؟ إلى قرى صارت وراء الجيش والنار؟ لقد فُقد معنى الرجوع قبل الإبحار، ولذلك لم يكن الصعود نجاةً مكتملة، بل انتقالًا من خطر إلى خطر؛ من الجوع والمرض على اليابسة إلى الاكتظاظ والعطش والعاصفة فوق الماء

وربما جلست أم في زاوية من السفينة تضم طفلًا محمومًا، تنصت إلى أنفاسه أكثر مما تنصت إلى الموج. لا تعرف كم بقي من الطريق، ولا إن كانت اليابسة المقبلة ستمنحه طبيبًا أم قبرًا. وإذا سألها: متى نعود إلى البيت؟ لم يكن الصمت عجزًا عن الكلام، بل رحمةً بالحقيقة

وفوق البحر تغير معنى الزمن. لم يعد اليوم يومًا، بل مقدار ما بقي من الماء، وعدد مرات طلوع الشمس، وحال المريض بين صباح ومساء. وغاب المكان أيضًا؛ فلا جبل يُهتدى به، ولا شجرة مألوفة، ولا قبر يثبت للمرء أن له موضعًا في الأرض. ماء من كل جهة، حتى كأن الدنيا محيت منها العلامات التي يعرف بها الإنسان أنه ينتمي إلى مكان

وإذا مات أحدهم في الطريق، لم يكن الموت يملك دائمًا ترف القبر. قد يُفقد الجسد في الماء، فلا حجر يحمل الاسم، ولا بقعة يعود إليها الأبناء ليضعوا حزنهم عندها. وهكذا لم يكن البحر طريقًا فحسب، بل صار لبعض الأسر مقبرةً بلا شاهد، وموجةً تحفظ اسمًا لا تستطيع أن تنطقه

ومن هنا بقي البحر الأسود في الذاكرة الشركسية أبعد من جغرافيا. صار حدًا بين زمنين، وطريقًا ومقبرة، وبابًا أُغلق خلف قوم ولم يكونوا يعلمون ماذا سيفتح أمامهم. لم يصل الذين بلغوا الضفة الأخرى كما غادروا؛ وصل منهم من فقد أهله، ومن فقد صحته، ومن بقي يحمل سؤال الناجي: لِمَ بقيتُ أنا وغاب غيري؟

ولما أخذت السفن تبتعد، صغرت الجبال في العيون حتى صارت خطًا رقيقًا في آخر الأفق، ثم غابت. عندئذ لم يكن الوطن قد اختفى من النظر فحسب، بل تغير موضعه في الوجود. كان بالأمس أرضًا يمشون عليها، فأصبح ذكرى يحملونها؛ كان جبلًا وبيتًا وقبرًا ونبعًا، فأصبح اسمًا يسكن اللسان وصورةً تسكن القلب

وهكذا صار البحر آخر الأرض وأول المنفى. لم يصعدوه لأنهم وثقوا بالماء، بل لأن اليابسة ضاقت بهم حتى لم تترك لهم إلا الماء. وحين انقطع آخر خيط بصري بين السفينة والجبل، انتهى وطن المكان وبدأ وطن الذاكرة؛ ومنذ تلك الساعة لم يعد السؤال: متى يعودون إلى قراهم؟ بل كيف سيحفظون القرى فيهم بعدما صار الرجوع إليها أبعد من الأفق؟

Previous
Previous

Part Five: When Freedom Became Another Name for Exile

Next
Next

رحلةٌ ابتدأت بالبصر وانتهت بالبصيرة