الجزء الأول: الخريطة التي لم ترَ الإنسان
أمضيت أكثر من أربعة عقود أقرأ الخرائط من خلف زجاج قمرة القيادة. كانت الخريطة بالنسبة إليّ وعدًا بلغة الأرقام: خط يصل بين مطارين، نقاط عبور محسوبة، اتجاهات لا تترك للحدس إلا هامشًا ضيقًا. حتى العاصفة التي لا نستطيع إيقافها كنا نراها على شاشة الرادار، نتابع حركتها، ونقدّر المسافة بينها وبين الطائرة، ثم نغيّر المسار قبل أن ندخل قلبها. لم تكن الخرائط تجعل السماء آمنة تمامًا، لكنها كانت تمنحنا معرفة كافية كي لا نطير عميانًا
كان أكثر ما يطمئنني أنني أعرف مطار الوصول. قد تطول الرحلة، وتتبدل الريح، ويختفي المدرج خلف الغيوم، لكن مكانه يظل ثابتًا في الأجهزة والذاكرة. وراء كل ظلام أرض، وفي نهاية كل مسار مدرج له اسم ورقم واتجاه. لكنني حين وضعت أمامي خريطة القوقاز في السنوات التي سبقت عام ١٨٦٤، اكتشفت أن الخرائط تعرف أين تقع الجبال، لكنها لا تعرف ماذا يعني أن يفقدها الإنسان. كانت ترسم البحر الأسود بلونه الأزرق الهادئ، وتحدد الأنهار والممرات والحصون وخطوط تقدم الجيوش، لكنها لا ترسم يدًا أغلقت باب البيت للمرة الأخيرة، ولا قرية أُحرقت قبل الفجر، ولا طريقًا تحول من ممر إلى الحقول إلى طريق للهروب منها
فالخرائط ترى الأرض من أعلى، بينما يعيش الإنسان مصيبته من مستوى الباب والنافذة والقبر والحقل. وما يبدو على الورق حركةً بين نقطتين قد يكون في الحقيقة اقتلاعًا كاملًا من اللغة والذاكرة والعلاقات والمعنى
توقفت طويلًا عند قرى لم يعد لكثير منها وجود بالصورة التي عرفها أهلها. حاولت أن أتخيل طفلًا يقف أمام بيت يتصاعد منه الدخان، ينتظر من أبيه تفسيرًا لما يحدث. لا يعرف معنى الإمبراطورية، ولا يميز بين الإخلاء والترحيل، وكل ما يفهمه أن أمه جمعت بعض الثياب، وأن أباه طلب منه أن يحمل ما يستطيع، وأن الطريق الذي يبتعدون عبره عن البيت لا يشبه أي طريق عرفه من قبل
ربما لم يوجد ذلك الطفل بالصورة نفسها، وربما وُجد آلاف يشبهونه. فالخيال هنا لا يستبدل الوثيقة، بل يعيد الإنسان إلى المساحة التي تركتها السجلات فارغة. تذكر الوثائق أعداد القوات والسفن والمهجّرين، لكنها نادرًا ما تذكر ما حمله طفل في يده، أو ما قالته أم لابنتها كي تخفي خوفها، أو كيف ودّع شيخ جبله وهو يعرف أن عينيه تريانَه للمرة الأخيرة
الخريطة صادقة في قياس المسافة، لكنها عاجزة عن قياس الفقد. تستطيع أن تخبرنا كم ميلًا يفصل الساحل القوقازي عن الأناضول، لكنها لا تخبرنا كم سنة يحتاجها الإنسان ليفهم أن عبوره لم يكن سفرًا، بل انقسامًا في حياته إلى زمنين: زمن قبل الرحيل، وزمن بعده