الجزء الثاني: حين بدأ التهجير داخل النفس
لا أكتب هذه الحكاية لأصنع من الماضي تمثالًا، ولا لأمنح جماعة بشرية بطولة مطلقة لا يملكها بشر. فالذاكرة الجماعية، مثل الفرد، تنتقي ما يريحها، وتضخّم ما يمنحها الفخر، وتبتعد عما يربك صورتها. غير أن التاريخ لا يصبح أكثر عدلًا حين نستبدل الإنكار بالتمجيد، ولا تصبح المأساة أكثر إنسانية حين نحوّل ضحاياها إلى أساطير منزّهة عن الضعف والخوف والانقسام
ما أبحث عنه هو فهم المصير الإنساني حين تنقلب الأرض التي منحت الإنسان اسمه وطمأنينته إلى مكان يُطلب منه أن يغادره. كيف يصبح البيت الذي بُني للحماية علامة يهتدي بها الجندي إلى أصحابه؟ وكيف تتحول الأرض من ذاكرة عائلية إلى هدف عسكري، ثم إلى بند في ملف إداري، ثم إلى مساحة صامتة على خريطة المنتصر؟
لم تبدأ الكارثة في ٢١ أيار ١٨٦٤، وإن أصبح ذلك اليوم رمزًا لنهاية الحرب وبداية المنفى الشركسي الواسع. فالكوارث الكبرى لا تهبط دفعة واحدة، بل تتسلل ببطء: قرية تُخلى، وطريق يُغلق، ومحصول يُحرق، ووعد يتبدد، وتحذير لا يُصدَّق، حتى يكتشف الناس أن المخارج التي ظنوها مفتوحة قد ضاقت جميعها
في الطيران تعلمت أن الحادث لا يبدأ لحظة اصطدام الطائرة بالأرض، بل قبل ذلك بكثير؛ بمعلومة فُهمت على نحو خاطئ، أو إشارة جرى تجاهلها، أو قرار تأخر، أو افتراض صغير تراكمت فوقه افتراضات أخرى. وحين تجتمع الأخطاء مع ضغط الوقت، تتقلص الخيارات تدريجيًا، حتى تصبح النجاة أصعب من أن تتحقق بقرار متأخر. كان عام ١٨٦٤، بهذا المعنى، لحظة الاصطدام في التاريخ الشركسي، لكن الهبوط نحو الكارثة كان قد بدأ قبلها بسنوات
بعد أسر الإمام شامل عام ١٨٥٩ وانتهاء مرحلة أساسية من المقاومة في شرق القوقاز، أصبحت الإمبراطورية الروسية أقدر على توجيه قوتها نحو شمال غربي القوقاز. ولم يكن الشراكسة دولة مركزية تتلقى قرارًا واحدًا من عاصمة واحدة، بل كانوا جماعات وقبائل ومناطق وتحالفات تختلف في قراءتها للخطر. بعضهم اختار المقاومة، وبعضهم راهن على التفاوض، وبعضهم ظن أن التسوية ما تزال ممكنة، بينما تمسك كثيرون بقراهم؛ لأن الإنسان لا يصدق بسهولة أن التاريخ كله يمكن أن يقف أمام بابه ويطالبه بالمغادرة
فالبيت ليس سقفًا وجدرانًا فقط، بل هو ترتيب الإنسان للعالم من حوله: موضع الماء، واتجاه الشمس، وقبر الأجداد، والشجرة التي زرعها الأب، والطريق الذي يعود منه الأبناء. وحين يُقتلع الإنسان من ذلك كله، لا يفقد ملكية فحسب، بل يفقد النظام الخفي الذي كان يمنح أيامه معناها
ولهذا لم يبدأ الرحيل عند الشاطئ، بل بدأ داخل النفس. بدأ يوم شعر الناس أن الأرض لم تعد قادرة على حمايتهم، وأن المنزل لم يعد مأوى، بل مكانًا يمكن أن يُحاصروا فيه. يبدأ التهجير حين يتوقف الإنسان عن إصلاح سقفه، ويؤجل زراعة حقله، وينظر إلى أشيائه للمرة الأولى لا بوصفها ممتلكات، بل بوصفها سؤالًا: ما الذي يستطيع حمله، وما الذي سيتركه خلفه للمجهول؟
وعندما عبرت الجماعات الشركسية البحر وتوزعت في أراضي الدولة العثمانية، لم تصل إلى فراغ بلا بشر أو تاريخ. فقد كانت شرقي الأردن جزءًا من بلاد الشام العثمانية، تعيش فيها مجتمعاتها المحلية وقبائلها وقراها وبلداتها، ولكل منها ذاكرتها وعاداتها وإيقاع حياتها. لم يكن القادمون وحدهم يبدؤون صفحة جديدة، ولم يكن أهل المنطقة يقفون أمام صفحة بيضاء؛ بل كان اللقاء بين الطرفين لقاء إنسان بإنسان، وذاكرة بذاكرة، وحاجة مشتركة إلى الأمن والاستقرار بعد زمن طويل من الاضطراب
لم يحمل الشراكسة مشروعًا لاستعادة القوقاز على هذه الأرض، ولم يسعوا إلى محو ما سبقهم. كانوا يعرفون، وإن لم يقولوا ذلك بالكلمات، أن الأوطان لا تُنقل كما تُنقل الأمتعة، وأن الجبال لا تعبر البحر مع أصحابها. لذلك حملوا ما لا يستطيع المنفى مصادرته: اللغة، والعادات، والقيم، وأسماء القرى التي بقيت حيّة في الوجدان، ثم بدأوا حياة جديدة في أرض لم تكن تعرفهم، ولم يكونوا يعرفونها
شيئًا فشيئًا تحولت الغربة إلى معرفة، والمعرفة إلى ثقة، والثقة إلى مشاركة في الحياة. عملوا في الزراعة، وأسهموا في إعادة إعمار مواقع ضعفت الحياة فيها، وشاركوا في نشوء تجمعات عمرانية جديدة، وتبادلوا الخبرات مع سكان المنطقة. لم يحدث ذلك في عام واحد، ولا في جيل واحد، بل عبر مسيرة طويلة من العمل والصبر والتعايش، حتى أصبحت الأصول المختلفة تلتقي في مستقبل مشترك
ولم يكن الانتماء إلى هذه الأرض نسيانًا للقوقاز، كما لم يكن الوفاء للقوقاز رفضًا للأرض التي احتضنتهم. فالإنسان لا يخون ماضيه حين يبني مستقبله، ولا يفقد جذوره لأنه يمد جذورًا جديدة في تربة أخرى. بقي القوقاز وطن الذاكرة، بينما أصبحت شرقي الأردن أرض الحياة اليومية، حيث وُلد الأبناء والأحفاد، وتحوّل البقاء من ضرورة إلى انتماء
ومع مرور العقود، لم تعد حكاية الشراكسة مجرد قصة جماعة نجت من المنفى، بل أصبحت جزءًا من تاريخ البلاد. وحين نشأت إمارة شرق الأردن، ثم قامت المملكة الأردنية الهاشمية، كان أحفاد أولئك المهجّرين قد أصبحوا شركاء في بنائها وخدمتها والدفاع عنها. وهكذا أثبت التاريخ أن الإنسان يستطيع أن يحمل وطنه الأول في ذاكرته، وأن يمنح وطنه الجديد قلبه وعمله، دون أن ينتقص أحدهما من الآخر. فالوطن الحقيقي لا يُبنى بالنسيان، بل بالوفاء: وفاء للماضي الذي صنع الهوية، ووفاء للحاضر الذي يفتح باب المستقبل