مديونيّة الدولة
خاطرة صباحيّة
صندوقُ التقاعد ليس درجًا خفيًّا في مكتب السياسة، بل وعدُ الزمن للغد. ومن يعبث بوعد الغد، يوقّع إفلاس الحاضر قبل أن يراه
خاطرة مسائيّة
في كلِّ مرّةٍ تمدّ الدولة يدها إلى مدّخرات المتقاعدين، فإنّها لا تسدُّ فجوة أرقامٍ في ميزانيّة، بل تفتح شقًّا في معنى العدالة بين الأجيال. المال هنا ليس رقمًا ساكنًا، بل عُمرٌ مؤجَّل، وطمأنينةٌ مؤتمنة، وزمنٌ عمل فيه الناس على أمل أن يجدوا في نهايته أرضًا صلبة لا فراغًا محاسبيًّا
حين يُختزل الضمان الاجتماعي إلى “حساب جارٍ”، تفقد الدولة ذاكرتها الأخلاقيّة، وتتعامل مع المستقبل بوصفه موردًا قابلًا للاستهلاك. الربح السريع يُغري، لكنّه ربحٌ هشّ، يشبه من يدفئ ليلته بحرق باب بيته. الديون التي تُسدَّد من أعمار الآخرين لا تختفي، بل تتحوّل إلى أسئلةٍ مؤجَّلة، تعود أشدّ حدّةً حين يطالب الغد بحقّه
الضمان، في جوهره، فعلُ ثقةٍ جماعيّ: جيلٌ يعمل ويقتطع، وجيلٌ يأتي ليجد ما حُفظ له لا ما استُنزف باسمه. لذلك لا يُدار بالعجلة ولا بالهوى، بل بعقلٍ استثماريّ يرى أبعد من دورةٍ سياسيّة، وبحوكمةٍ تفصل بين الحاجة الآنيّة والحقّ الدائم. إنّه مؤسسة معنى قبل أن يكون مؤسسة مال؛ معيارها ليس فقط العائد، بل الاستدامة، وليس فقط الربح، بل الكرامة
أمّا الإصلاح الحقيقي، فلا يمرّ عبر استسهال الاقتراض من المستقبل، بل عبر مصالحة الحاضر مع إمكاناته: عدالة في الجباية، حكمة في الإنفاق، وشجاعة في ترتيب الأولويّات. فالدولة التي تحترم تقاعد مواطنيها، إنّما تعلن احترامها لفكرة الزمن نفسه، وتُقرّ بأنّ الغد ليس غنيمة، بل أمانة