رحلة إلى قلب الغموض

خاطرة صباحية

في شتاء عام 1978، كانت عقارب الساعة تقترب من الثانية فجرًا حين ارتفعت طائرة خفيفة ذات محرك واحد من مدرج مطار لونغ بيتش جنوب لوس أنجلوس. لم تكن هناك رادارات ذكية ولا أنظمة ملاحة متطورة، بل بوصلة ميكانيكية، وخريطة ورقية، وحدسٌ لا يملك إلا أن يُصدَّق. في المقعد الخلفي وضعت طردًا صغيرًا يحمل ختمًا أحمر صارخًا: «طبي—عاجل». لم أكن أعلم إن كان يحمل قلبًا نابضًا في صندوق معدني، أو دواءً يوقف نزيف حياة، أو أوراقًا مرتبطة بمصير إنسان. لكن ما كنت أحمله في داخلي كان أثقل من كل ذلك

كنت شابًا قادمًا من قرية صويلح شمال عمّان، تربيت على تلال تعانق السماء، أطارد الطائرات بنظري وأحلّق بخيالي. وها أنا الآن أحلّق فعلًا فوق سماء أمريكا، وحيدًا، غريبًا في بلد لا يعرف اسمي ولا لغتي. كنت أقود الطائرة كما يقود المرء حلمًا سريًا لا يجرؤ على الإفصاح عنه

ليل الساحل الغربي كان كثيفًا كأسرار البحر. السحب تلتف حول الطائرة كشال رمادي من الصمت. لا أضواء مدن، لا إشارات راديوية—فقط أزيز المحرك… وصوت داخلي يرتفع كلما خفتت الأصوات الأخرى. ثم حدث ما لم يكن في الحسبان: انقطع الاتصال. لا صوت من برج المراقبة، لا إشارة، لا همسة إلكترونية. في تلك اللحظة، لم أكن أواجه خللًا تقنيًا بقدر ما كنت أواجه نفسي

في سبعينيات القرن الماضي، لم يكن لدى الطيار سوى حواسه. لا أنظمة إنذار، ولا شاشات ترسم لك طريق النجاة. كنت أنت البوصلة، وأنت الخريطة، وأنت القرار. كان انعزالي في قمرة القيادة روحيًا بقدر ما كان جسديًا، كأن السماء قررت أن تختبرني لا كطيار فقط، بل كإنسان: هل تستطيع أن تثق بما لا تراه؟ أن تؤمن بمسار بلا إشارات؟ أن تواصل الطيران في صمت، وكأن الصمت ذاته يقول لك: «تابع… أنت على الطريق»؟

خاطرة مسائية

في تأمل المساء، أدرك أن تلك الرحلة لم تكن مجرد مهمة طبية، بل عبورًا إلى قلب الغموض. كل لحظة فوق كاليفورنيا كانت تبدو قرونًا. وأنا أتنقل بين السحب، كنت أحاول قراءة الرسائل الخفية في طياتها. لم أعد أقود الطائرة فحسب؛ كنت أرتفع بفكري، وأستحضر صورة الطفل في صويلح، واقفًا على سطح بيت، يحدّق في سماء بعيدة لم يكن يعلم أنها ستكون قدره

الطيران ليس علمًا فحسب؛ إنه فعل فلسفي عميق. إنه قرار بالثقة في المجهول، والغوص في غير المرئي، بدافع شيء داخلي لا يُفسَّر. إنه صلاة صامتة، لا تُقال بالكلمات بل تُؤدَّى بالشجاعة

في تلك الليلة فهمت أن الغموض ليس فراغًا، بل مساحة يتشكل فيها الإيمان. حين تختفي الإشارات، يتضح الصوت الداخلي. حين يسود الصمت، يظهر اليقين العميق. لم تكن السماء تختبر مهارتي في قراءة الأدوات، بل قدرتي على قراءة نفسي

وهكذا علمتني تلك الرحلة أن الحياة تشبه الطيران في ظلام بلا إشارات. لا نملك دائمًا خريطة واضحة، ولا نسمع دومًا صوتًا يوجهنا. لكن إن حملنا في داخلنا بوصلة صادقة، يمكننا أن نواصل التحليق حتى لو غابت كل الإشارات الخارجية

ذلك الشاب القادم من صويلح لم يكن يعلم أن الطيران سيصير مرآة لروحه. واليوم، بعد سنوات طويلة، أفهم أن كل رحلة إلى المجهول هي في حقيقتها رحلة إلى الداخل. وأن السماء، حين تصمت، لا تتركك وحيدًا—بل تدعوك لتسمع ما كان دائمًا يسكن قلبك

Previous
Previous

حين تتعثر السماء… وتشتعل القلوب

Next
Next

نحن جميعًا طيّارون