نحن جميعًا طيّارون

خاطرة صباحية

عندما أعود بذاكرتي إلى سنواتي في السماء، أكتشف أن الطيران لم يكن مجرد مهنة، بل استعارة للحياة كلها. نحن جميعًا، بطريقة ما، طيّارون في رحلات لا تنتهي. قد لا نمسك بعصا قيادة، ولا نقرأ بيانات الرادار، لكننا نمسك بعصا اختياراتنا، ونبحر في سماء وجودية مليئة بالمفاجآت

يستيقظ كل إنسان صباحًا كما يستعد الطيار قبل الإقلاع: يراجع خططه، يرتب أولوياته، ويتهيأ ليوم جديد. ومع ذلك، يعرف في أعماقه أن ما ينتظره غير مضمون. قد يبدأ اليوم هادئًا، ثم تأتي كلمة أو خبر يغيّر مساره بالكامل. قد نظن أننا في رحلة قصيرة، لنكتشف أنها أطول وأعمق مما توقعنا

الفرق أن الطيار يتعلم منذ البداية أن يعترف بالمجهول. بينما يهرب كثيرون من هذه الحقيقة، ويتوهمون أن طرقهم مرسومة سلفًا وأن الغيوم لن تعبر دروبهم، تظل الحقيقة واحدة: العاصفة قد تزور أيًّا منا، في أي وقت

خاطرة مسائية

في تأمل المساء، أدرك أن تشابهنا مع الطيار أعمق مما نتصور. نحن جميعًا نحمل أدواتنا الداخلية. بعضنا يحمل قيمًا كأنها أجهزة ملاحة ترشده في العتمة، وبعضنا يحمل تجارب تشبه الرادارات تكشف الأخطاء قبل الوقوع فيها، وآخرون يحملون قلوبًا قادرة على الإرشاد حين تتعطل كل المؤشرات. تختلف الأدوات، لكن الرحلة تحتاجها كلها

نحن جميعًا طيّارون لأننا جميعًا نواجه عواصفنا: مرض مفاجئ، فقدان عزيز، شك داخلي، أو إحساس بالعجز أمام الزمن. في تلك اللحظة لا نملك إلا أن نمسك بعصا القيادة الداخلية ونقول: «سأواصل الطيران مهما حدث». الشجاعة ليست في تجنب العاصفة، بل في الاستمرار وسطها

كما أننا طيّارون لأن قلوبنا قادرة على رؤية الجمال وسط الفوضى. كم مرة ضحكنا في أشد ساعاتنا ظلمة؟ كم مرة رأينا وميضًا صغيرًا في قلب عتمة ثقيلة؟ ذلك الوميض هو البرق الذي يشق السماء، ويهمس لنا بأن الحياة ما زالت قادرة على إدهاشنا

أتذكر حين كنت أراقب وجوه الركاب أثناء الاضطراب الجوي. بعضهم يغلق عينيه، وبعضهم يتشبث بمقعده، وآخرون يحدقون في الظلام خلف النافذة. كنت أعلم أنني، بوصفي الطيار، لا أطير وحدي؛ بل أحمل أرواحًا كثيرة معي. وهكذا في الحياة: لسنا طيّارين لأنفسنا فقط، بل لأن قراراتنا تمسّ آخرين، وتؤثر في مساراتهم أيضًا

نطير بأحلامنا، بخياراتنا الصغيرة والكبيرة. كل قرار هو إقلاع جديد. حين نبدأ عملًا جديدًا، نغادر مطارًا مألوفًا إلى أرض غير معروفة. حين نفقد شخصًا عزيزًا، نجد أنفسنا في قلب عاصفة علينا أن نخرج منها بسلام. وكل مرة ننجو، نزداد وعيًا بضعفنا وقوتنا في آن واحد

الطيار الحقيقي لا يُقاس بعدد الرحلات الناجحة فحسب، بل بقدرته على البقاء إنسانًا وهادئًا تحت الضغط. وكذلك الإنسان الحقيقي: الأقوى ليس من لا يخاف، بل من يعرف كيف يبتسم رغم الخوف، ويستمر رغم التعب، ويحلم رغم اضطراب العالم

واليوم، وأنا أكتب كطيار متقاعد، لم أعد أفرّق بين السماء والحياة. كلتاهما رحلة، وكلتاهما بلا ضمانات، وكلتاهما مليئة بالعواصف والدهشة. الفرق الوحيد أن الطائرة تهبط بعد ساعات، أما رحلة الإنسان فلا تنتهي إلا مع النفس الأخير. وحتى حينها، أؤمن أن الرحلة تستمر بطريقة لا ندركها بعد

 

Previous
Previous

رحلة إلى قلب الغموض

Next
Next

الرحلة الأخيرة — تأملات طيار متقاعد