شيفرة بلال… حين يصبح الإيمان تجربة لا فكرة

خاطرة صباحية
في هذا الصباح، تحضر رواية  "شيفرة بلال" للكاتب العراقي أحمد خيري العمري كفكرةٍ أكثر منها حكاية. تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تقود إلى أسئلة أعمق عن المعنى والإيمان. ومن خلال الربط بين سيرة بلال بن رباح وواقعنا، تلمّح الرواية إلى أن الإنسان، رغم تغيّر الأزمنة، يظل يبحث عن الإجابات ذاتها، وأن القيم لا تختفي، بل تعود حين نحتاجها

وكأن الرواية تهمس بأن القيم لا تموت، بل تختبئ أحيانًا، لتعود إلى الظهور حين يشتد احتياج الإنسان إليها

خاطرة مسائية
في هذا المساء، أعود إلى "شيفرة بلال" لا كحكاية تُروى، بل كرحلةٍ تفتح أبوابًا في داخل الإنسان. لا تبدو الرواية هنا مجرد سردٍ لمعاناة، بل مساحة للتأمل في تلك اللحظات التي يُجبر فيها الإنسان على مواجهة نفسه، حين تضيق الإجابات وتتسع الأسئلة

أرى في بلال الطفل معنى يتجاوز حدود الجسد، كأن حضوره القصير كان كافيًا ليكشف أن العمر لا يُقاس بطوله، بل بعمقه. ومن خلال انعكاسه على سيرة بلال بن رباح، يتضح أن التجربة الإنسانية، مهما اختلفت ظروفها، تعود دائمًا إلى نقطة واحدة: البحث عن الحرية من الداخل، لا من الخارج

وفي الجهة الأخرى، يقف أمجد، لا كخصمٍ للألم، بل كشخصٍ يواجه فراغه. هناك فرق خفي بين من يتألم لأنه فقد شيئًا، ومن يتألم لأنه لم يجد شيئًا أصلًا. وهذا ما تكشفه الرواية بهدوء، أن الفراغ قد يكون أكثر قسوة من الألم، لأنه لا يمنح الإنسان حتى سببًا واضحًا للمعاناة، بل يتركه في منطقة رمادية بين الشك واللايقين

ومع امتداد الحكاية، تتبدل أشكال الظلم، لكنها لا تختفي، كأن التاريخ يعيد نفسه بوجوه مختلفة. فما كان يومًا قيدًا ظاهرًا، أصبح اليوم قيدًا خفيًا، يتسلل إلى العلاقات، إلى الأحكام، إلى نظرتنا لبعضنا البعض. وهنا تطرح الرواية سؤالًا غير مباشر: هل تغيّر العالم فعلًا، أم أننا فقط غيّرنا طريقة تسمية الأشياء؟

وفي هذا التأمل، تتشكل الحكمة بهدوء: أن الإنسان لا يتحرر حين تتغير ظروفه، بل حين يغيّر وعيه بها. وأن ما يواجهه لا يحدد مصيره بقدر ما تحدده طريقته في فهمه والتعامل معه

أما الموعظة التي تبقى، فهي أن المعنى لا يُعطى جاهزًا، بل يُبنى تدريجيًا، وأن الإيمان ليس فكرة نتعلمها، بل تجربة نمرّ بها، غالبًا في لحظات الضعف الصادق

وفي هذا المساء، أدرك أن بعض الحكايات لا تنتهي عند نهايتها، بل تبدأ داخلنا، تترك أثرًا هادئًا، وتذكرنا بأن الإنسان، مهما بدا عابرًا، قد يضيء بحياته القصيرة طريقًا أطول مما يتخيل

Previous
Previous

الخيميائي… حين يكون الطريق هو الكنز

Next
Next

زقاق المدق… حين تختصر الحارة عالماً كاملاً