زقاق المدق… حين اختصرت الحارة عالَمًا

تعود إليَّ اليوم "زقاق المدق" لنجيب محفوظ، الصادرة سنة ١٩٤٧، فلا تجيء وحدها، بل تحمل معها ريحًا من شرخ الشباب، كأنها تهبُّ على طللٍ عافٍ فتبعث أصواتًا حسبتُ أن الزمن قد أودعها الغياب. أرى صديقي صبحي، رحمه الله، وأرانا فتيين في أوائل السبعينيات، نخرج بعد انقضاء الدوام من كلية الحسين، ثم ننحدر مشيًا نحو وسط عمّان. كانت المدينة يومئذٍ تتكئ على جبالها في هدوء، والدكاكين تفتح صدورها للمساء، ورائحة البنّ تمتزج برائحة الورق القديم ودخان الحافلات. كنا قليلي المال، لكننا كنا أغنياء بذلك الجوع الذي لا يشبعه إلا الكتاب. جمعنا ما في جيبينا، واشتركنا في شراء الرواية من مكتبة الجاحظ، وما علمنا أن كتابًا صغيرًا سنحمله صعودًا إلى بيوتنا سيبقى يحملنا في داخله أكثر من نصف قرن

يوم قرأتُها أول مرة، رأيتُ حميدة فتاةً متمردة تضيق بفقر الزقاق، وتتطلع إلى عالم أوسع مما تراه من نافذتها، ورأيت عباس حلاقًا بسيطًا يحبها بحنان، فيخرج إلى العمل في معسكرات الإنجليز ليجمع مالًا يبني به مستقبلًا يتخيله قريبًا. وكان حسين، صديقه، أكثر تمردًا على حياة الحارة، بينما حمل المعلم كرشة تناقضات الإنسان بين المظهر والرغبة. أما رضوان الحسيني فكان كأنما وضعه محفوظ موضع الضمير الهادئ في وسط عالم مضطرب، فيما بدا زيطة الوجه الأشد ظلمة؛ رجلًا يحوّل البؤس نفسه إلى صناعة

أما اليوم، وقد جاوزت السبعين، وطوّفت بي الطائرات فوق قارات ومدائن وبحار، فإنني لا أرى الشخصيات أشخاصًا فحسب، بل أراها نماذج للنفس الإنسانية حين تضيق بما هي فيه وتشتهي ما وراءه. وأحسب أن محفوظ لم يرد أن يسأل. من سيخرج من الزقاق؟ بل. ماذا يحدث للإنسان حين يظن أن الخلاص كله خارج المكان؟

فالزقاق عنده ليس جغرافيا وحسب، إنه بنية نفسية واجتماعية مغلقة. حميدة لا تهرب من الحارة بقدر ما تهرب من صورتها عن نفسها، ولذلك يصبح الخارج الذي ظنته حريةً بابًا إلى استلاب أشد. وعباس، ببراءته، يمثل القلب الذي يدخل عالم المصالح وهو يحمل أخلاق الزقاق القديمة، فيُهزم لأنه لم يدرك أن العالم تبدّل أسرع من قدرته على فهمه

ثم جاءت الحرب العالمية الثانية، فاهتز الزقاق بأصداء عالم بعيد، ودخل المال الجديد والجنود والتحولات إلى حارة حسب أهلها أنها بمنأى عن التاريخ. وهنا تتجلى عبقرية محفوظ: العالم الكبير يدخل من أضيق الأزقة، والتاريخ لا يستأذن أحدًا قبل أن يغيّر مصيره

كنتُ في شبابي أقرأ لأعرف ماذا سيحدث، أما اليوم فأقرأ لأفهم لماذا حدث. وعرفت أن محفوظ لم يكن يرثي الفقر وحده، بل كان يحذّر من الرغبة حين تنفصل عن البصيرة، ومن التغيير حين يسبق الوعي

الموعظة. ليس كل خروجٍ نجاة، ولا كل بقاءٍ هزيمة، فقد يقطع الإنسان الآفاق ويبقى أسيرًا لزقاقٍ يسكن صدره. وأول الرحيل الحق أن تعرف نفسك قبل أن تغيّر مكانك، وإلا حملتَ قيدك معك حيثما مضيت

Previous
Previous

شيفرة بلال… حين يصبح الإيمان تجربة لا فكرة

Next
Next

فرانكشتاين في بغداد