خاطرة صباحية
في هذا الصباح، تحضر رواية  "فرانكشتاين في بغداد" للكاتب العراقي أحمد سعداوي، الصادرة عام 2013، كحكايةٍ تبدو غريبة في ظاهرها، لكنها تقترب كثيرًا من واقعٍ نعرفه. هي رواية تمزج بين الخيال والواقع لتكشف عالمًا مضطربًا تغلب عليه الفوضى والعنف

أستعيد فيها صورة هادي العتاك، ذلك الرجل البسيط الذي حاول أن يمنح ضحايا التفجيرات جسدًا واحدًا، كأنّه يسعى لإعادة شيءٍ من العدالة المفقودة. لكن ما بدأ كفعل إنساني، تحوّل إلى كائنٍ يحمل في داخله آلامًا متراكمة، وكأن الرواية تهمس بأن الألم، حين يُجمع ولا يُفهم، قد يعود إلينا في صورةٍ أشد قسوة مما نتوقع

خاطرة مسائية
في المساء، حين تتضح الرموز أكثر، أعود إلى هذه الرواية لا كقصة خيالية، بل كمرآة لواقعٍ معقّد، حيث لا يكون العنف مجرد حدث، بل بيئة كاملة تُنتج نفسها باستمرار. الكائن الذي صنعه هادي لم يكن مجرد جسدٍ مركب من أشلاء، بل فكرة متجسدة، فكرة أن كل ظلمٍ لا يُحاسب عليه، يتحول إلى طاقة تبحث عن انتقام.

ما يلفتني أن هذا "الفرانكشتاين" لم يكن شريرًا في بدايته، بل وُلد من رغبة في العدالة، لكنه مع الوقت تحوّل إلى دائرة لا تنتهي، لأن كل انتقام يخلق حاجة لانتقام جديد. وهنا تتجلى المفارقة: أن محاولة استعادة الحق بالقوة قد تعيد إنتاج الظلم بشكل آخر

تتشابك الشخصيات في الرواية لتكشف حقيقة أعمق، أن الجميع، بطريقة أو بأخرى، يساهم في صنع هذا الكائن، سواء بالفعل أو بالصمت أو بالعجز. وكأن الكاتب يقول إن الشر لا يولد فجأة، بل يتكوّن تدريجيًا من تراكمات صغيرة لا ننتبه لها

وفي هذا المساء، أستخلص موعظة واضحة: أن المجتمعات التي تعيش في دوامة العنف، لا تحتاج فقط إلى من يوقف الجريمة، بل إلى من يكسر دائرة الانتقام نفسها. لأن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس وجود الشر، بل اعتيادنا عليه، حتى يصبح جزءًا من حياتنا اليومية

تبقى "فرانكشتاين في بغداد" أكثر من رواية، إنها تحذير صامت، بأن ما نصنعه في لحظات الفوضى قد يكبر ليصبح قوة لا يمكن السيطرة عليها، وأن الإنسان، حين يفقد ميزان العدالة، قد يتحول، دون أن يدري، إلى جزءٍ من المشكلة التي يحاول الهروب منها

Previous
Previous

زقاق المدق… حين تختصر الحارة عالماً كاملاً

Next
Next

ثلاثية غرناطة… حين يصبح البقاء مقاومة