ثلاثية غرناطة… حين يصبح البقاء مقاومة
خاطرة صباحية
في هذا الصباح، تحضر روية "ثلاثية غرناطة" للكاتبة المصرية رضوى عاشور كنداءٍ قادم من زمنٍ بعيد لم ينطفئ أثره. هذا العمل الروائي، الذي صدر لأول مرة في التسعينيات، ويتكوّن من ثلاث روايات: غرناطة ومريمة والرحيل، يعيد إحياء لحظة سقوط غرناطة عام 1492، لا كحدثٍ تاريخي فقط، بل كبداية لمعاناة طويلة من القمع ومحاولات طمس الهوية
أستشعر في هذه الثلاثية حكاية شعبٍ لم يُهزم بالقوة وحدها، بل واجه خطرًا أعمق، هو محو الذاكرة واللغة والروح. وكأن الرواية تهمس لنا بأن الفقد الحقيقي لا يكمن في سقوط المدن، بل في ضياع ما تبقى منها داخل الإنسان، حين يُجبر على أن ينسى من يكون
خاطرة مسائية
في المساء، حين تتسع الرؤية لما وراء الحكاية، أعود إلى هذه الثلاثية لا كأحداث تاريخية، بل كتأملٍ عميق في معنى البقاء حين يصبح بحد ذاته مقاومة. لم تكن غرناطة مجرد مدينة سقطت، بل كانت بداية صراعٍ طويل بين الذاكرة والنسيان، بين من يريد أن يعيش كما هو، ومن يُفرض عليه أن يتخلى عن نفسه ليبقى
تتابع الرواية حياة أجيالٍ متعاقبة، تعيش تحت وطأة القهر، حيث لا يكون الخطر في الموت، بل في الذوبان البطيء، في فقدان اللغة، في التخلي عن الملامح الأولى. وهنا تتجلى الفكرة الأعمق، أن الإنسان قد يُجبر على التكيف، لكنه يدفع ثمن ذلك من هويته
أفكر في شخصية "عليّ"، حين يكتشف أن الرحيل ليس نجاة كما يبدو، بل نوع آخر من الموت، وأن البقاء، رغم قسوته، هو شكل من أشكال التمسك بالحياة الحقيقية. هذه اللحظة تختصر حكمة العمل كله، أن الإنسان لا يعيش فقط حيث يكون الأمان، بل حيث يكون المعنى
وفي هذا المساء، أرى أن رسالة رضوى عاشور لم تكن عن الماضي فقط، بل عن كل زمن يُوضع فيه الإنسان أمام خيار صعب: أن يبقى ويدفع الثمن، أو يرحل ويفقد نفسه. وهنا تكمن الموعظة، أن الهوية ليست شيئًا يمكن استبداله بسهولة، وأن أخطر ما قد نخسره ليس المكان، بل ما يجعلنا نحن
تبقى "ثلاثية غرناطة" أكثر من رواية، إنها تذكير هادئ بأن بعض المعارك لا تُخاض بالسلاح، بل بالصبر، وبالتمسك بما لا يُرى… بالذاكرة