سبتة… حين تتبدل مبادئ الغرب بتبدل الخرائط
هل يُعقل، في زمنٍ يملأ الغرب فيه العالم خطبًا عن حقوق الإنسان وحق الشعوب في تقرير مصيرها، أن تبقى مدينة إفريقية، متصلة جغرافيًا بالمغرب، جزءًا من دولة أوروبية تقع خلف البحر؟
تعتبر إسبانيا سبتة جزءًا لا يتجزأ من أراضيها، وقد نصّ قانون الحكم الذاتي الصادر سنة ١٩٩٥ على أنها جزء من الأمة الإسبانية. أما المغرب، فيرفض السيادة الإسبانية عليها، ويرى فيها مع مليلية بقايا تاريخ استعماري لم يُغلق ملفه بعد. وبين الموقفين يبقى السؤال الأخلاقي أوسع من النصوص القانونية: هل مرور القرون يحوّل كل واقع مفروض إلى حق أبدي؟
المفارقة أن إسبانيا تطالب بريطانيا بإنهاء استعمار جبل طارق، وتتمسك بوحدة أراضيها، بينما ترفض تطبيق المنطق ذاته عندما يتعلق الأمر بسبتة ومليلية. وجبل طارق ما يزال مدرجًا لدى الأمم المتحدة ضمن الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، وتدعو المنظمة بريطانيا وإسبانيا إلى التوصل إلى حل تفاوضي بشأنه.
وليس هذا التناقض حالة منفردة؛ فجزر مالفيناس، التي تسميها بريطانيا جزر فوكلاند، لا تزال موضع نزاع مع الأرجنتين، وتواصل لجنة تصفية الاستعمار دعوة الطرفين إلى التفاوض. وفي أرخبيل تشاغوس، قضت محكمة العدل الدولية بأن فصل الجزر عن موريشيوس لم يكن قانونيًا، وأن على بريطانيا إنهاء إدارتها لها، ومع ذلك بقي التنفيذ أسير المصالح العسكرية والسياسية.
هنا يظهر النفاق السياسي لا بوصفه كذبة عابرة، بل نظامًا كاملًا لانتقاء المبادئ. يصبح تقرير المصير حقًا عندما يخدم الحليف، وخطرًا عندما يمس النفوذ. وتُصبح وحدة الأراضي مقدسة في أوروبا، قابلة للتأويل حين تتعلق بأرض عربية أو إفريقية.
لا يعني ذلك تجاهل سكان سبتة أو فرض مصيرهم بالقوة؛ فحقوقهم وأمنهم وهويتهم جزء من أي حل عادل. لكن احترام السكان لا يقتضي دفن السؤال التاريخي، بل يستوجب حوارًا بين المغرب وإسبانيا يوازن بين إرادة الإنسان، ووحدة الأرض، وذاكرة الاستعمار.
إن الغرب لا يفقد صدقيته لأنه يدافع عن حقوق الإنسان، بل لأنه يطلب من الآخرين احترام مبادئ لا يطبقها على نفسه. فالقيمة التي تتغير بتغير الخريطة ليست مبدأً؛ إنها مصلحة ترتدي ثوب الأخلاق.ملاحظة تحريرية: استُخدم تعبير "النفاق السياسي الغربي" بدل اتهام المجتمعات الغربية كلها؛ لأن موضع النقد هو ازدواجية السياسات الرسمية، لا الشعوب والثقافات.