الجزء الخامس: حين أصبحت الحرية اسمًا آخر للمنفى
ليست كلُّ حريةٍ تُسمّى حرية، كما أنّ كلَّ اختيارٍ لا يكون بالضرورة اختيارًا. فالإنسان لا يُقاس بقدرته على أن يقول: "أختار"، بل بقدرته على أن يقول: «أستطيع أن أبقى». وما دام البقاء حقًّا مصونًا، ظلّ للاختيار معناه. أمّا إذا سُلب هذا الحق، وتحولت الأرض التي نشأ عليها الإنسان إلى مكان يهدده في كل صباح، فإن الخيارات لا تعود إلا أسماءً مختلفة للطريق ذاته
ولهذا كانت اللغة الرسمية قادرة على أن تجعل القسوة تبدو كأنها إجراء منظم. فقد عُرضت على جماعات شركسية إمكانات متعددة في ظاهرها: الانتقال إلى مناطق داخلية خاضعة للإمبراطورية الروسية، أو القبول بشروط جديدة للإقامة، أو الرحيل إلى أراضي الدولة العثمانية. وعلى الورق بدا الأمر كأن السلطة فتحت أبوابًا عدة، وتركت للناس حرية المرور من أيها شاءوا. غير أنّ الورق لا يعرف معنى أن يقف الإنسان بين قبر أبيه ويد طفله، ولا يشعر بثقل القرار حين يكون كل طريق مؤديًا إلى خسارة لا يمكن تعويضها
فالاختيار لا يصبح حرًّا لمجرد تعدد البدائل، بل حين يكون الإنسان قادرًا على رفضها جميعًا من غير أن يفقد حقه في الحياة. أمّا إذا قيل له: اترك أرضك إلى مكان نحدده لك، أو غادر وطنك كله، فإنّه لا يختار بين البقاء والرحيل، بل بين صورتين مختلفتين من الاقتلاع. قد يختلف الاتجاه، لكن الجرح يبقى هو الجرح، لأن القرار لم يولد من إرادة الإنسان، بل من ضيقٍ أحاط بإرادته حتى لم يبق لها إلا هامش ضئيل تتحرك فيه
في الطيران تعلمت أن هناك فرقًا عميقًا بين اتخاذ القرار وامتلاك حرية الاختيار. قد يجد الطيار نفسه أمام عاصفة تغلق طريقه، ووقود لا يسمح له إلا بمحاولة واحدة، ومطار بعيد قد لا يبلغه، وآخر قريب تحيط به المخاطر. عندها يتخذ قرارًا، لكنه لا يختار من موقع الحرية؛ فالوقت والطقس والوقود هي التي رسمت حدود الممكن، ولم تترك له إلا أن ينتقي أقل الاحتمالات قسوة. ولو سأله أحد بعد نجاته: لماذا اخترت هذا المدرج؟ لأجاب بأنه لم يختره كما يختار الإنسان طريقًا للنزهة، بل كما يختار الغريق اللوح الذي يتعلق به في البحر
وهكذا كان حال كثير من الشراكسة. لم يختاروا أن تتحول قراهم إلى ساحات حرب، ولا أن تُغلق الطرق المؤدية إلى حقولهم، ولا أن يصبح البيت الذي بنوه بأيديهم هدفًا عسكريًا، ولا أن تتحول الجبال التي حمتهم قرونًا إلى سبب يُعاقبون من أجله. لقد اضطروا إلى اتخاذ قرار، لكنهم لم يصنعوا الظروف التي جعلت القرار ضرورة. وما سُمّي يومئذٍ حرية انتقال لم يكن في حقيقته إلا محاولة لإضفاء اسم أقل قسوة على الإكراه
ولم يكن الانتقال إلى الداخل الروسي يعني مجرد تغيير مكان الإقامة، بل كان يعني التخلي عن المجال الطبيعي والاجتماعي الذي صاغ حياة أجيال كاملة. كما أن الرحيل إلى الدولة العثمانية لم يكن وعدًا بالطمأنينة، بل عبورًا إلى بحر لا يعرف أحد نهايته، وموانئ مكتظة، وبلاد لا يعرف القادمون لغتها ولا تضاريسها ولا شروط الحياة فيها. وفي الحالتين كان الإنسان يترك خلفه أكثر مما يستطيع حمله؛ يترك أسماء الأمكنة، وروائح الفصول، ووجوه الجيران، والقبور التي كان يطمئن إليها كلما ضاقت به الحياة
ولعل أكثر اللحظات قسوة لم تكن تلك التي حمل فيها الناس متاعهم، بل تلك التي سبقتها. ربما اجتمعت أسرة في ليلة باردة، يتبادل أفرادها النظر أكثر مما يتبادلون الكلام. قال الأب إن البحر مجهول، وقال الشيخ إن الجبل لا يُستبدل، وسألت الأم أي الطريقين أقل ألمًا على الأطفال. لم يكن بينهم من يملك جوابًا صحيحًا، لأن السؤال نفسه كان ظالمًا. فحين تكون الخيارات جميعها خسارة، لا يعود القرار اختيارًا، بل محاولة لاختيار الجرح الذي يمكن احتماله
ومن الخطأ أن نتخيل الشراكسة يومئذٍ كتلة واحدة تتحرك بإرادة واحدة، أو شعبًا اتخذ القرار نفسه في اللحظة نفسها. فالمجتمعات الكبرى لا تتكلم بصوت واحد، ولا ترى المستقبل بعين واحدة، ولا تخاف الخطر بالطريقة نفسها. لم تكن هناك دولة مركزية تفرض قرارًا جامعًا، بل جماعات وعشائر ومناطق تختلف في قربها من ميادين القتال، وفي حجم ما أصابها من الخراب، وفي تقديرها لما هو آت
رأى بعضهم أن المقاومة، مهما بلغت كلفتها، هي الطريق الوحيد لحفظ الأرض، وأن الوطن الذي لا يُدافع عنه بالسلاح قد لا يُستعاد بالكلمات. ورأى آخرون أن ميزان القوة اختل إلى حد يجعل استمرار القتال استنزافًا للناس قبل أن يكون دفاعًا عنهم، وأن التفاوض، مهما كان قاسيًا، قد ينقذ من بقي حيًا. وبين الرأيين وقف آخرون ينتظرون تبدل الظروف، أو يراهنون على أن المنفى سيكون مؤقتًا، وأن السفن التي ستبتعد اليوم ستعود غدًا
لكن المؤرخ يملك امتيازًا لم يكن متاحًا لهم؛ فهو يعرف النهاية. أما هم، فلم يكونوا يرون إلا طريقًا يختفي وراء الضباب. لم يعرفوا إن كانت الوعود ستتحقق، ولا إن كانت الموانئ قادرة على استقبالهم، ولا حجم المرض الذي ينتظرهم على الساحل، ولا عدد الذين ستبتلعهم السفن قبل أن يبلغوا الضفة الأخرى. كانوا يقررون بمعلومات ناقصة، وفي وقت ضيق، وتحت ضغط خوف لا يترك للعقل فسحة التأمل. وهذه من أقسى حالات الوجود الإنساني؛ أن يُطلب من الإنسان أن يغيّر مصير أبنائه وأحفاده، وهو لا يستطيع أن يرى ما وراء المنعطف الأول
ولذلك لا يصبح التاريخ أكثر عدلًا إذا وزّع البطولة والخيانة بيسر. فالرجل الذي بقي لم يكن بالضرورة أشجع ممن رحل، والذي غادر لم يكن أقل حبًا لوطنه ممن قاتل حتى النهاية. لقد كان كل واحد منهم يحاول أن يحمي شيئًا يراه أثمن من غيره؛ هذا يحمي الأرض، وذاك يحمي أبناءه، وثالث يحمي أملًا ضعيفًا في العودة. ولم تكن المأساة في اختلافهم، بل في أن الزمن لم يمنحهم فرصة ليتأكدوا أيهم كان أقرب إلى الصواب
ومع دخول عام ١٨٦٠ بدأت الأرض تضيق بأهلها، لا لأن الجبال تحركت من أماكنها، ولا لأن الأنهار جفّت، بل لأن القدرة على العيش فوقها أخذت تتآكل يومًا بعد يوم. فالبلاد قد تبقى واسعة على الخرائط، لكنها تصبح أضيق من غرفة مغلقة إذا انقطعت الطرق، وتعذر الوصول إلى الحقول، وتحولت الغابة إلى منطقة مراقبة، وصار الانتقال بين القرى مخاطرة
لم يكن تقدم الجيوش وحده هو الذي غيّر الحياة، بل تقلص إمكان الانتفاع بالأرض نفسها. بقيت الحقول في أماكنها، لكن الوصول إليها صار خطرًا. وبقيت المراعي خضراء، لكن قطعان الماشية لم تعد تبلغها بأمان. وبقيت الينابيع تتدفق، غير أن الطريق إليها أصبح محفوفًا بالمراقبة والخوف. كانت الجغرافيا ثابتة، لكن الحياة التي تمنحها معناها بدأت تنسحب منها شيئًا فشيئًا
دخلت الحرب عندئذٍ إلى المواضع التي لا تذكرها التقارير العسكرية. دخلت مخزن القمح، وقدر الطعام، وسرير الطفل المريض، وحديث الزوجين بعد أن ينام الأبناء. لم يعد السؤال: أين يقع الجيش؟ بل: هل تكفي المؤن حتى الربيع؟ وهل يبقى الطريق مفتوحًا إلى الطاحونة؟ وهل يعود الأب إذا خرج لحراسة الماشية؟ لقد أصبحت الحياة اليومية نفسها ميدانًا للمعركة
وهكذا لم يعد الوطن يُفقد دفعة واحدة، بل بدأ يفقد معناه بالتدريج. حين يمتنع الإنسان عن إصلاح سقفه لأنه لا يعرف إن كان سيقضي الشتاء تحته، وحين يحتفظ بالطعام للرحلة بدل الموسم، وحين يطلب من أطفاله أن يختار كل واحد منهم شيئًا واحدًا فقط يحمله معه، يكون المنفى قد بدأ، وإن بقيت الجدران قائمة
فالاقتلاع الحقيقي لا يبدأ عند الساحل، ولا لحظة ظهور السفن في الأفق، بل يبدأ حين تتوقف الأرض عن منح أهلها أسباب البقاء. عندها يظل الوطن محبوبًا كما كان، لكنه يغدو عاجزًا عن حماية الحياة فوقه. وهناك، في تلك المسافة الفاصلة بين الحب والعجز، وُلد المنفى قبل أن يولد الطريق إليه