حين يصبح ما نملكه قناعًا لما فقدناه
ثمة لحظةٌ قد يبلغها الإنسان بعد سنواتٍ طويلة من السعي، ينظر فيها إلى ما جمعه حوله، فيجد الأشياء كثيرةً، غير أن السؤال الذي ينهض في داخله يكون أشدَّ فقرًا من كل الإجابات: هل كنت أبني حياتي، أم كنت أبني جدارًا يحجبني عن نفسي؟
لقد أصبح المال في الوعي المعاصر أكثر من وسيلةٍ للعيش؛ صار في كثير من الأحيان شهادةً غير مكتوبة على النجاح، حتى كأن قيمة الإنسان يمكن اختصارها في رقم، أو عقار، أو منصب، أو قدرةٍ على اقتناء ما يعجز عنه الآخرون. غير أن الأرقام، مهما ارتفعت، لا تعرف شيئًا عن صاحبها؛ فهي لا تقيس خوفه حين يخلو إلى نفسه، ولا وحدته، ولا مقدار السلام الذي يسكن صدره
فالمال يملك قدرةً عجيبة على تبديل هيئة الحياة، لكنه لا يملك بالضرورة قدرةً على تبديل حقيقتها. يستطيع أن يوسّع البيت، لكنه لا يوسّع القلب، وأن يقرّب المسافات، لكنه قد يعجز عن تقريب إنسانٍ من إنسان. وقد يمنح صاحبه حرية الاختيار، ثم يتحول، في مفارقةٍ خفية، إلى سببٍ جديد للعبودية حين يصبح فقدانه أشدَّ رعبًا من فقدان أشياء كان الإنسان يومًا يظنها أثمن منه
ولعلّ أخطر ما يحدث أن يختلط ما يملكه المرء بما يكونه، حتى إذا امتدحه الناس على ثروته حسب أنهم يمتدحون ذاته، وإذا نقص ماله شعر كأن شيئًا من وجوده قد انتُزع منه. وهنا لا يعود المال خارج الإنسان، بل يتسلل إلى تعريفه لنفسه
والحياة، على خلاف الأسواق، لا تضع أثمانًا لأكثر ما يجعلها جديرةً بأن تُعاش. لا سعر ليدٍ تمتد إليك في ساعة انكسار، ولا قيمة حسابية لصديقٍ يبقى حين يتفرق الآخرون، ولا رقم يستطيع أن يصف لحظة طمأنينةٍ كاملة يضع فيها الإنسان رأسه على وسادته بلا خوف ولا ندم
حتى الحكمة لا تأتي دائمًا من الوفرة. فكثيرًا ما تكشف الخسارة للإنسان ما حجبتْه عنه الراحة، وتجعله يرى أن الأشياء التي خشي فقدانها لم تكن هي التي تمنحه وجوده، وأن بعض ما اعتبره مكسبًا كان في حقيقته عبئًا يرتديه على هيئة نجاح
وربما لا يكون السؤال الحقيقي: كم يملك الإنسان؟ بل: كم يحتاج حتى يشعر أنه موجود؟ وهل الغنى أن تتكاثر الأشياء بين أيدينا، أم أن يقلَّ ما نحتاج إليه كي لا نشعر بالنقص؟
ثم يبقى سؤالٌ أكثر قسوة : إذا كان الإنسان يستطيع أن يشتري معظم ما يرغب فيه، فما الذي يحدث حين يكتشف أن الشيء الوحيد الذي لم يعد يعرف أين يجده هو ذاته؟