الجزء السابع: حين ضاق طريق النجاة

لم تكن السفينة، في أعين الواقفين على الساحل، خشبًا ومسامير وأشرعةً فحسب؛ كانت احتمالًا معلّقًا بين الحياة والموت. إليها تتجه الأبصار، وبها تتعلق القلوب، وعندها ينتهي سلطان اليابسة ويبدأ سلطان الماء. غير أن الناس، حين ضاقت بهم الأرض، لم يسألوا أول الأمر لمن تعود السفينة، ولا تحت أي راية تمخر البحر، ولا أكانت سفينة دولة أم تاجر، كان سؤالهم أبسط وأفجع: هل تحملنا قبل أن نموت هنا؟ لم تكن السفن التي أقلّت المهجّرين أسطولًا واحدًا مهيأً لهذا البلاء العظيم، بل تنوعت بين سفن خصصتها السلطات، وأخرى استُؤجرت، وسفن تجارية وناقلين من أهل البحر، وقوارب متفاوتة القدرة والحجم. وكانت الحاجة أعظم من الوسيلة؛ فالجموع تتكاثر على الساحل أسرع مما تأتي المراكب، وكأن المأساة تسير على قدمين بينما النجدة تزحف على عكاز

وهنا دخل الحساب إلى الموضع الذي كان ينبغي أن تسكنه الرحمة وحدها. فالسفينة التجارية لا تعرف الحزن، وإنما تعرف المساحة والحمولة والأجرة. وكل جسد إضافي يمكن، في حساب التاجر، أن يكون مالًا زائدًا، لكنه في حقيقة الأمر طفل يحتاج إلى شربة ماء، أو أمًّا تضم رضيعًا، أو شيخًا لا يستطيع أن يجد موضعًا يمد فيه ساقيه. وبين الحسابين، حساب السوق وحساب الإنسان، نشأ أحد أكثر وجوه الرحلة قسوة

وليس من العدل أن نجعل كل ربّان طامعًا، كما ليس من الصدق أن نجعل كل ناقل منقذًا. فالناس في المحن لا ينقسمون إلى ملائكة وشياطين. قد يحمل أحدهم أعدادًا فوق ما تحتمل سفينته لأنه رأى الموت ينهش المنتظرين على الساحل، فظن أن ضيق المركب أرحم من بقائهم. وقد يفعل آخر الأمر نفسه طمعًا في الأجرة. وقد يجتمع الخوف والرحمة والربح في صدر رجل واحد، فلا يستطيع المؤرخ أن يختصر النفس البشرية في كلمة. لكن حسن المقصد لا يزيد سعة السفينة، كما أن الشفقة لا تخلق ماءً حيث لا ماء

فالنية شيء، والقدرة شيء آخر

تعلمت في الطيران أن الرحمة لا تعني أن تُقلع الطائرة محملةً فوق حدودها لأن رجلًا بقي عند البوابة. فلكل مركبة حد إذا تجاوزته انقلبت رغبة الإنقاذ إلى خطر على الجميع. نحسب وزن الطائرة، والوقود، والمسافة، والبدائل، لأن الوصول لا يبدأ عند الإقلاع، بل عند القدرة على إتمام الرحلة. وليس النجاح أن ترفع المركبة الناس عن الأرض، وإنما أن تبلغ بهم موضعًا آمنًا

أما كثير من تلك السفن، فقد كان نجاحها في الابتعاد عن الساحل يوهم بأن النجاة قد بدأت، مع أن الخطر الحقيقي ربما لم يبدأ إلا بعد اختفاء اليابسة. داخل السفينة تقترب الأجساد بعضها من بعض، ويقل الهواء، ويصبح الماء أثمن من المال، ويجد المرض في الزحام طريقًا لا تعترضه حدود. وما كان حمى في طفل عند الساحل قد يصير وباءً بين عشرات الأجساد في موضع لا تستطيع فيه الأسرة أن تبتعد عنه خطوة

وكانت بعض السفن أوسع وأصلح، وبعضها أضيق وأوهن، وبعض الرحلات تمر في جو أهدأ، وأخرى يشتد عليها الريح والموج. ولذلك لا يصح أن تُروى جميع الرحلات بلسان واحد. فقد تبلغ سفينة ميناءها بعد أيام من الألم، ويصل ركابها أحياء، بينما تدخل أخرى تحمل بين أحيائها موتاها. وقد يكون الفارق بين المصيرين قليل ماء، أو ركابًا أقل، أو يومًا أكثر هدوءًا في البحر. وفي اليابسة قد تكون التفاصيل الصغيرة يسيرة، أما في البحر فإن الصغيرة تكبر، لأن لا أرض قريبة يلجأ إليها الإنسان إذا أخطأت الحسابات

حتى الصعود لم يكن دائمًا عبورًا من الشاطئ إلى ظهر السفينة في خطوة واحدة. ربما وقفت السفينة بعيدًا، فنُقل الناس إليها في قوارب أصغر. تُحمل الأمتعة، ثم الأطفال، ثم المرضى، ويصعد المنهكون على جوانب المركب بأجساد أكل منها الطريق ما أكل. وفي الزحام قد تضيع حقيبة، أو تنفلت يد طفل، أو يركب بعض الأسرة قبل بعض. وما تسميه الورقة "نقلًا بحريًا" قد يكون في حياة الإنسان سلسلة مخاطر بدأت قبل أن يتحرك المركب الكبير شبرًا واحدًا.

فإذا أغلقت السفينة بطنها على من فيها، صارت عالمًا صغيرًا مضغوطًا بقسوة. أقدام فوق أمتعة، وأجساد إلى جوار أجساد، ومريض يحتاج فضاءً لا وجود له، وطفل يبكي ولا تستطيع أمه أن تمشي به، وماء ينبغي أن يكفي الجميع، وليل لا موضع فيه للنوم كما يعرفه البشر

عندها لا يصبح المرض حادثًا جاء من الخارج؛ بل يصبح احتمالًا يسكن طريقة الرحلة نفسها. العدوى التي جاءت من الساحل تجد أجسادًا أوهن، وهواء أقل، وماءً قد ينفد أو يفسد، ولا مكان لعزل من اشتدت عليه الحمى. وهكذا كانت السفينة التي قصدها الإنسان فرارًا من الموت قادرةً، إذا اختلت شروطها، على أن تحمل الموت معه

لكن السؤال الأثقل ليس: هل كانت السفن عثمانية أم تجارية؟ ولا: أي ربان كان رحيمًا وأيهم طامعًا؟ السؤال الأشد وطأة هو: كيف استمرت العملية بعدما صارت آثارها ظاهرة

كيف ظل الناس يُدفعون إلى الساحل حين كان الساحل قد امتلأ؟ وكيف استمر الإخلاء حين صارت السفن دون الحاجة، والموانئ عاجزة عن استقبال من سبق وصولهم، والمرض ظاهرًا في الأجساد؟

هنا لا تكفي حكاية فرد واحد، لأن الكارثة كانت أكبر من الفرد. كانت القوة العسكرية تنظر إلى الأرض التي تريد إخضاعها، فتجعل خروج السكان منها علامة على تحقق غايتها. وكانت الجهة التي تنقلهم ترى البحر والمسافة والحمولة. وكانت الموانئ ترى أفواجًا ينبغي تسجيلها وإيواؤها. وكانت الجهات التي ستوزعهم في الداخل تنتظر أن تجد لهم أرضًا وقوتًا. وكل جهة أمسكت بطرف صغير من الرحلة، ولم يمسك أحد بالإنسان من بيته إلى موضع استقراره الأخير

وهكذا تفرقت المسؤولية، بينما بقي الألم متصلًا

قد يقول القائد: انتهى عملي حين غادر السكان المنطقة. ويقول الناقل: حملت من استطعت إلى الضفة الأخرى. ويقول موظف الميناء: سجلت من وصل. ويقول من كُلّف بإسكانهم: لم أُعطَ ما يكفي لهذا العدد. وكل عبارة قد تحتوي شيئًا من الحقيقة، لكنها إذا اجتمعت لم تُنقذ طفلًا واحدًا من الجوع

تلك واحدة من أخطر صور الكارثة؛ ألا يكون ثمة رجل واحد يريد النتيجة كلها، ومع ذلك تقع النتيجة. لا يحتاج الموت دائمًا إلى أمر مكتوب. قد يكفي أن تعمل مؤسسات كثيرة، كل منها داخل حدوده، وأن تعلم أن ما بعدها لا يحتمل ما ترسله إليه، ثم تمضي في عملها كما لو أن حدود الاختصاص حدود للضمير

ومع هذا، ليست المسؤوليات سواء. فالقوة التي أغلقت على الإنسان سبل البقاء وأخرجته من أرضه ليست كالدولة التي استقبلته ثم قصرت مواردها عن حاجته، وعجز الاستقبال ليس هو قرار الاقتلاع. لكن اختلاف مقدار المسؤولية لا يعني أن السؤال يسقط عن أحد. فالإنسان لا يسأل وهو يموت: أي مؤسسة كان ينبغي أن تنقذني؟ إنما يسأل، إن بقي له صوت: لماذا رآني الجميع ولم يتغير الطريق؟

فحين تصبح النتائج معلومة، يولد قرار أخلاقي جديد

قد تبدأ خطة عسكرية على تقدير معين، ثم يظهر أثناء تنفيذها ما لم يُقدَّر حق قدره. عندئذ لا تكون أخلاق القرار في بدايته وحدها، بل في قدرته على التغير حين تظهر عواقبه. وهذا ما تعلمته في السماء؛ فالخطة التي كانت سليمة عند الإقلاع قد تصبح خطرة بعد ساعة. وإذا رأى الطاقم ما يغير الحساب، لم يجز أن يقول: لقد اتخذنا القرار وانتهى الأمر. تعاد الحسابات، ويتغير المسار، وقد تعود الطائرة إلى حيث أقلعت

فالاستمرار ليس فضيلة حين يصبح الطريق نفسه موضع الخطر

وقد كانت الجموع على الساحل مرئية. لم تكن فكرةً غامضة في أوراق بعيدة. مرضى وجوعى، موتى، سفن لا تكفي، وموانئ تستقبل أناسًا وقد نال منهم الإنهاك. لم يكن المرء يحتاج إلى إحصاء كامل ليعرف أن الوعاء أصغر مما يصب فيه. تكفي عين ترى آلافًا ينتظرون لكي تعرف أن المسافة بين القرار وقدرة الناس على احتماله قد اتسعت حتى صارت مأساة

لكن المؤسسة كثيرًا ما تنظر إلى ما تقيسه. الجيش يقيس الأرض التي أخضعها، والناقل يقيس من حملهم، والميناء يقيس من وصلوا، والإدارة تقيس من أسكنتهم. أما الإنسان فلا يعيش على هيئة أجزاء. الجوع الذي بدأ معه في القرية لا ينتهي عند اختصاص الجيش، يصعد معه إلى المركب. والمرض الذي أصابه في الساحل لا يقف عند باب الميناء؛ يدخل معه المدينة. وفقره لا ينتهي حين يحصل على اسم في سجل؛ يرافقه إلى الأرض التي سيُطلب منه أن يبدأ فيها من جديد

حياة الإنسان متصلة، وإن قطعتها الدواوين إلى ملفات

ولهذا قد يكون أشد أوجه القسوة هو أن تتجزأ المسؤولية بينما تبقى المعاناة كاملة

ولم يكن إيقاف الحركة أمرًا يسيرًا من جهة الحرب. ربما خافت القيادة من أن يمنح التوقف المقاومة فرصة، أو يعيد السكان إلى مواضع أُخليت، أو يؤخر حسمًا سعت إليه سنين. لكن هذا لا يلغي السؤال، بل يكشف ترتيب الأشياء في ميزان القوة. حين تقف السيطرة في كفة وحياة من يُخرَجون في كفة، ثم يستمر الإخلاء على رغم ما ظهر من عواقبه، نعرف أي الكفتين رجحت

وعلى الضفة الأخرى لم تكن الدولة العثمانية أمام باب مفتوح على السعة. لقد حاولت استقبال جموع هائلة في إمبراطورية تعاني أعباءها المالية والسياسية والعسكرية. خصصت أراضي وأموالًا ووسائل نقل وأنشأت آليات للإغاثة والتوزيع، لكن التدفق تجاوز في مواضع كثيرة قدرة الموارد والتنظيم. وهنا ظهر نوع آخر من المأساة: أن تريد إغاثة الإنسان ولا تملك ما يكفي لإنقاذ الجميع

فالرفض قد يعيده إلى الخطر، والاستقبال العاجز قد ينقله إلى معاناة أخرى

وبين التعجيل في إخراجه والعجز عن استقباله، وقع المهجّر في فجوة لم يصنعها. كانت قوة تدفعه من الخلف، ومؤسسات على الضفة الأخرى تحاول أن تفسح له موضعًا ولا تلحق بسرعة القادمين. وكان جسده هو المكان الذي التقت عليه تلك الفجوة كلها

ولهذا فإن السؤال الأخلاقي ليس دائمًا: مَن أراد أن يموت هؤلاء؟ قد لا يكون أحد قد كتب ذلك في أمر. وإنما السؤال: مَن رأى أن الموت صار متكررًا، ثم قبل أن يمضي النظام من غير تغيير يكفي لمنعه؟

فالموت الذي يقع مرة قد يكون حادثًا. والذي يتكرر في الظروف نفسها يصبح علامة. فإذا عُرفت العلامة وظل الطريق على حاله، لم يعد من السهل أن نصف ما يأتي بعد ذلك بالمفاجأة

ولا يعني هذا أن كل بلاء كان يمكن منعه. لم تكن الإمبراطوريات تملك أدوات هذا العصر، ولا طبه، ولا اتصالاته، ولا قدراته اللوجستية. وكان البحر والطقس والوباء والحرب قيودًا حقيقية. لكن الاعتراف بحدود القدرة ليس إذنًا بإلغاء المحاسبة. فهناك فرق بين عجز بذل ما يستطيع، وبين عجز اتخذ من ضيق الإمكان ذريعة لئلا يغير شيئًا

وقد كان يمكن، في مواضع وأوقات، أن يبطأ الإخلاء، أو تتحسن نقاط الانتظار، أو تُضبط حمولة بعض السفن، أو تُزاد المؤن، أو يوضع المرضى في شروط أرحم. وربما لم تمنع هذه التدابير كل موت، لكنها كانت تستطيع أن تقلله. والرحمة لا تُقاس بقدرتها على إلغاء المصيبة كلها، بل بما حاولت منعه مما كان يمكن منعه

ولم يكن الطريق خاليًا من الرحمة

فإلى جوار الجيوش والموظفين والتجار والناقلين، كان هناك بشر لا يملكون دولة ولا سفينة ولا خزينة، ومع ذلك فعلوا ما استطاعوا. امرأة تعطي طفلًا غريبًا رغيفًا، ورجل يدل قافلة على ماء، وأسرة تفتح زاويةً من بيتها لمن لا تعرفهم، وأناس يجمعون من حبوبهم وأغطيتهم ما يسد شيئًا من حاجة العابرين. لم تغير هذه الأفعال مجرى الحرب، لكنها ربما غيرت مجرى حياة إنسان واحد

وفي الكارثة لا تكون الرحمة دائمًا واسعة؛ أحيانًا تكون قدح ماء

لكن حتى الرحمة لها حدود تصنعها المادة. فالقرية التي تطعم عشر أسر لا تستطيع إطعام عشرة آلاف. والبئر الذي كفى أهلها سنين قد لا يكفي الجموع التي نزلت حوله فجأة. والمخزن الذي فُتح للغرباء ينقص كلما امتدت الأيدي إليه. وهكذا دخل الخوف إلى الموضع نفسه الذي دخلت منه الشفقة

وقد يرى صاحب البيت طفلًا جائعًا فيطعمه، ثم ينظر إلى أبنائه ويسأل كم بقي من القمح. وقد يرحم المريض ويخاف مرضه في آن واحد. وليس كل خوف قسوة، كما ليس كل رفض شرًّا. فالإنسان محدود، وقد يُطلب منه في الكارثة أن يكون كريمًا بما لا يملك

وهذا من أعقد وجوه الأخلاق: أن تستطيع أن تحب إنسانًا، وتخشى في الوقت نفسه ما يحمله إليك من مرض أو حاجة لا تحتملها

وقد يظهر النزاع حول الماء أولًا، لأن الماء لا يعرف المجاملة. إذا ضاق النبع بالسكان والقادمين، اجتمع الجميع أمام حاجة واحدة. وما دام الخبز يمكن تقسيمه، فإن العطش يبلغ من الإنسان مبلغًا لا ينتظر. عندها قد يرى صاحب الأرض في الوافد أخًا محتاجًا ومنافسًا على الحياة في اللحظة نفسها

ثم يأتي المرض، فيُختبر التعاطف مرة أخرى. قد يُمنع القادمون من دخول البيوت خوفًا من العدوى، ويُترك لهم الطعام خارجها. وقد يُجعل لهم موضع بعيد عن القرية، فتحمى جماعة ويزداد عزل أخرى. فالحجر الذي يصون الأصحاء قد يصبح جدارًا حول المريض

وحين بلغ القادمون المدن والموانئ العثمانية اجتمعت الصورة نفسها على نطاق أوسع. كانوا مهاجرين يحتاجون إلى النصرة، وكان في استقبالهم تعاطف ديني وإنساني حقيقي، لكنهم كانوا أيضًا آلافًا في مدن ذات مساكن ومخازن ومرافق محدودة. يمكن لأهل المدينة أن يروا فيهم إخوة، وأن يخافوا في الوقت نفسه على بيوتهم من المرض. يمكنهم أن يتصدقوا عليهم اليوم، ثم يطلبوا نقلهم غدًا

ولا تناقض في ذلك بالقدر الذي نظنه؛ إنما هو الإنسان حين تُختبر فضيلته أمام حدود قدرته

ومن الخطأ أن نرسم الضفة الجديدة جنة فتحت ذراعيها من غير ضيق، كما من الخطأ أن نجعلها أرض رفض لا رحمة فيها. كانت فيها المساعدة والعجز معًا، والكرم والخوف، والإيواء والحجر، والإخاء والنزاع على الموارد. والتاريخ الصادق لا ينتقي الصورة التي تريح الذاكرة، بل يحتمل أن يرى النقيضين في مشهد واحد

قد تستقبل أسرة غريبًا، ثم تطلب منه الرحيل حين يمرض أحد أطفالها. وقد تضم امرأة طفلًا فقد أهله، لكنها تخاف اقتراب أمه المصابة بالحمى. وقد يجمع أهل حي المال للوافدين، ثم يرفعوا صوتهم إلى الإدارة مطالبين بنقلهم بعيدًا. في الإنسان رحمة، ولكن في الإنسان أيضًا غريزة حفظ حياته ومن يحب

والعدل ألا نجعل الرحمة أسطورة، ولا الخوف خطيئةً في كل أحواله

فالحدود المادية لا تمحو الواجب الأخلاقي، لكنها تحدد ما يستطيع هذا الواجب أن يصير إليه. من يملك رغيفًا يستطيع أن يقاسمه، لكنه لا يستطيع أن يخلق حقلًا. ومن يملك بيتًا صغيرًا يستطيع أن يؤوي أسرة ليلة، لكنه لا يستطيع أن يبني مدينة. ومن يحمل مريضًا إلى النار قد ينقذ ليلته، لكنه لا يملك مستشفى

كانت أعمال الناس جسورًا صغيرة فوق نهر عظيم؛ عبر عليها بعض الذين كادوا يسقطون، لكنها لم تستطع أن تحمل القافلة كلها

ولهذا لا ينبغي لأفعال الرحمة أن تُستخدم لتجميل النظام الذي جعلها ضرورة. فإذا أصبح بقاء آلاف البشر مرهونًا بما يخرجه الفقير من مخزنه وما تفتحه امرأة من بابها، فإن التضامن، مهما كان نبيلًا، يكشف أيضًا مقدار الفراغ الذي تركته المؤسسات

ساعد الناس بعضهم بعضًا لأن الإنسان لا يستطيع دائمًا أن يمر بجوار الألم ولا يمد يده. لكن اليد الفردية، مهما عظمت، لا توقف جيشًا، ولا تزيد أسطولًا، ولا تنظم هجرة أمة

وهكذا اجتمعت على طريق المنفى قوتان متناقضتان: آلة واسعة تدفع البشر من مواضعهم، وأيد صغيرة تحاول أن تمنع بعضهم من السقوط

وربما نسي التاريخ اسم موظف كبير، بينما بقي في ذاكرة أسرة اسم رجل أعطاهم ماء. وربما غابت من الوثائق امرأة خبزت للصغار، لكنها بقيت في حكاية انتقلت من أم إلى ابنة. فالمؤسسات تترك السجلات، أما الرحمة فكثيرًا ما تترك الإنسان

ولهذا فإن الرحمة لا تُقاس دائمًا بمقدار ما غيرته من حركة التاريخ، بل بمقدار ما غيرته من مصير شخص في ساعة لم يكن له فيها غيرها

ومع ذلك بقي السؤال واقفًا، لا عند باب بيت فقير، بل أمام الدول والقادة والمؤسسات: لماذا اضطُر هؤلاء إلى أن يعيشوا أصلًا على رحمة العابرين؟

فالخبز الذي أعطته امرأة لطفل جائع يشرّفها، لكنه لا يبرئ النظام الذي جعله جائعًا

والسفينة التي حملت مئات الناس وأنقذتهم من الساحل تستحق أن يُذكر من خاطر بها، لكنها لا تمحو السؤال عن سبب تحميلها فوق قدرتها

والدولة التي استقبلت من استطاعت استقبالهم تستحق أن تُقرأ جهودها بإنصاف، لكن إنصافها لا يستدعي أن نغض الطرف عما عجزت عنه

والقوة التي انتصرت عسكريًا لا تستطيع أن تجعل موت المدنيين خارج الحساب لمجرد أن غايتها كانت السيطرة على الأرض

فالتاريخ ليس محكمة تبحث عن شيطان واحد كي تضع عليه كل الذنب ثم تغلق الملف. إنه محاولة لرؤية السلسلة كلها: من القرار الذي جعل البيت مستحيلًا، إلى الطريق الذي دفع الإنسان إلى البحر، إلى المركب الذي حمله، إلى الميناء الذي استقبله، إلى اليد التي ناولته أول كأس ماء في أرض لا يعرفها

وفي كل حلقة سؤال مختلف، ومسؤولية مختلفة، ودرجة مختلفة من العجز والاختيار

أما المهجّر فلم يعش حلقات

عاشها كلها دفعةً واحدة

كان هو الجسد الذي مرت عبره السياسة، والحرب، والجوع، والسوق، والبحر، والرحمة، والعجز. وما تسميه الدول مراحل، عاشه هو عمرًا واحدًا لا فواصل فيه

ولهذا، حين نقرأ اليوم أن سفينة أبحرت، أو أن آلافًا نُقلوا، أو أن لجنة وُكل إليها إسكانهم، ينبغي أن نقرأ الجملة ببطء. فالإنسان الذي دخل التقرير رقمًا لم يكن يعلم أي مؤسسة ستتولى الفصل التالي من حياته. كان يريد شيئًا واحدًا لا يحتاج إلى لغة السياسة: أن يصل حيًا، وأن يجد أبناءه معه، وأن يشرب ماءً لا يمرض منه، وأن ينام ليلته من غير أن يُطلب منه الرحيل مرة أخرى

وكان ذلك، في بعض الأيام، أمنية أكبر من قدرة الإمبراطوريات

وهكذا لم يكن البحر هو الامتحان الوحيد. كانت السفن امتحانًا للقدرة، والموانئ امتحانًا للإدارة، والجوع امتحانًا للرحمة، والمرض امتحانًا للخوف، واستمرار الإخلاء امتحانًا للضمير

وقد نجح بعض البشر في امتحانهم، وأخفق آخرون، وعجز كثيرون عن فعل ما تمنوه. لكن الكارثة الكبرى لم تولد من قلب واحد قاسٍ؛ ولدت حين كان منطق السيطرة أسرع من منطق الرحمة، وكانت حركة البشر أسرع من قدرة النجدة على اللحاق بهم

وعندما يصبح الطريق إلى النجاة أضيق من عدد المحتاجين إليه، لا يعود السؤال فقط: من نجا؟

بل يصبح السؤال الأشد عدلًا: لماذا كان على الإنسان أن ينافس غيره أصلًا على حقه في النجاة؟

Previous
Previous

حين يصبح ما نملكه قناعًا لما فقدناه

Next
Next

أرض البرتقال الحزين… حين يلتقي المنفيّان في وطنٍ واحد