حين عاد محافظ العاصمة حافي القدمين

حكاية من ذاكرة والدي، محمد علي الأمين، أردت أن تبقى حيّة في كتابي بعد الرحيل

قبل رحيله عن هذه الدنيا، حدّثني والدي عن حادثةٍ صغيرة وقعت له حين كان يشغل منصب محافظ العاصمة في المملكة الأردنية الهاشمية. رواها ببساطة من يستعيد موقفًا عابرًا لا يستحق الوقوف عنده طويلًا، غير أنني وجدت فيها، بعد رحيله، معنىً أعمق من الحادثة نفسها، وكأن والدي كان يترك لي، دون أن يقصد، وصيةً أخيرة لم يكتبها على الورق، بل خطّها ذات يومٍ بقدميه على أرض الوطن

كان والدي يحرص على أداء صلاة الجمعة في مسجدٍ يبعد عن بيتنا، الواقع في إحدى ضواحي العاصمة عمّان، نحو ثلاثمائة متر. وكان يذهب مبكرًا، حتى يكون في العادة من أوائل عشرة إلى خمسة عشر مصلّيًا يدخلون المسجد. ومع ذلك، لم يكن يتجه إلى الصفوف الأولى، بل يختار مكانًا هادئًا في أي ناحية من نواحي المسجد، ويسند ظهره إلى الحائط، ثم يفتح المصحف ويبدأ القراءة، مستغرقًا في عالمٍ لا تعنيه فيه المناصب ولا الألقاب، حتى يحين موعد الأذان وتبدأ خطبة الجمعة

ولعلّ ما يمنح ذلك المشهد معناه الإنساني أن والدي لم يكن رجلًا محدود المعرفة بأمور دينه، فقد أمضى ثماني سنوات من حياته في رحاب الأزهر الشريف، وتعلّم علوم الدين وحفظ القرآن الكريم عن ظهر قلب. لكنه لم يجعل من علمه سببًا للتميّز على الآخرين، ولم يتعامل مع مكانته الرسمية باعتبارها امتيازًا يمنحه حقّ التقدّم عليهم. كان يدخل المسجد كما يدخل أيّ إنسانٍ بيت الله، تاركًا خلفه ما تمنحه الدنيا من سلطةٍ وجاه، وكأنما أدرك أن الإنسان، مهما ارتفع شأنه بين الناس، لا يحمل إلى محراب الصلاة سوى قلبه وعمله

وقبيل الأذان، كان إمام المسجد يأتي إليه مرحّبًا، ويدعوه إلى التقدّم نحو الصفوف الأولى، غير أن والدي كان يعتذر بلطف، ويقول إن هناك من هو أحقّ منه بذلك المكان، ولا سيما من كان ملمًّا بقراءة القرآن الكريم وحفظه. وكان في هذا الموقف ما يستحق التأمل، فالرجل الذي يحفظ القرآن، وتعلّم في الأزهر، ووصل إلى منصبٍ رفيع في الدولة، لم يكن يرى في شيءٍ من ذلك سببًا لطلب مكانٍ متقدّم. ولم يكن امتناعه تقليلًا من فضل الصفوف الأولى، بل تعبيرًا عن تواضعٍ استقرّ في نفسه حتى أصبح سلوكًا طبيعيًّا لا يحتاج إلى إعلان

وفي يوم جمعة، وبعد انتهاء الصلاة، خرج والدي من المسجد، وتوجّه إلى المكان الذي ترك فيه حذاءه، فلم يجده. بحث عنه دون جدوى، ولا أحد يعلم إن كان قد ضاع في زحام المصلّين أم أخذه شخصٌ آخر عن طريق الخطأ. وحين علم إمام المسجد بما حدث، عرض عليه أن يستعير حذاءً من المسجد ليعود به إلى منزله، غير أن والدي رفض العرض شاكرًا، وقال للإمام مستعيدًا أيام طفولته. "كنّا ونحن صغارًا في قرية صويلح نلعب ونقضي النهار كله حفاة القدمين"

ثم خرج من المسجد، وسار إلى بيتنا حافي القدمين

هكذا، بكل بساطة، عاد محافظ العاصمة الأردنية إلى منزله مشيًا على قدميه العاريتين، دون أن يرى في الأمر ما يدعو إلى الحرج، أو يستحق أن يشغل به أحدًا. لم يكن يحتاج إلى استدعاء سيارة، ولا إلى البحث عمّن يأتيه بحذاءٍ بديل، ولم يخطر له أن هيبة المنصب يمكن أن تتأثر لأن قدميه لامستا الأرض التي عرفها منذ طفولته

وأتخيّله اليوم وهو يقطع تلك المسافة القصيرة، وقد أعاده ملمس الأرض إلى سنواتٍ بعيدة، حين كان طفلًا يركض في طرقات صويلح، لا يحمل لقبًا ولا يعرف شيئًا عن المناصب التي تنتظره. وبين ذلك الطفل الحافي والرجل الذي أصبح محافظًا للعاصمة، امتدّت حياةٌ طويلة من العلم والعمل والمسؤوليات، لكنّ شيئًا جوهريًّا بقي على حاله. لم ينسَ والدي الإنسان الذي كانه قبل أن يعرفه الناس بموقعه الرسمي

وكلما استعدت حكايته، تساءلت. ماذا لو صادفه أحد موظفي المحافظة وهو يسير حافي القدمين؟ هل كان سيبادر إلى إحضار حذاءٍ له، أم سيستغرب أن يرى مسؤولًا رفيعًا في مثل ذلك الموقف؟ ربما كان المشهد سيبدو غريبًا لمن اعتاد أن يربط مكانة الإنسان بما يحيط به من مظاهر، لكنه لم يكن غريبًا على والدي؛ فقد عرف كيف يحمل مسؤولية الدولة بوقار، دون أن يجعل من موقعه حاجزًا يفصله عن بساطة الحياة

لقد كشفت لي تلك الحادثة عن معنىً لا تمنحه المناصب لأصحابها، ولا تستطيع الألقاب أن تصنعه مهما عظمت: أن كرامة الإنسان تسكن في داخله، وليست شيئًا يرتديه أو يخلعه. فالمنصب مسؤوليةٌ مؤقتة، أما الأخلاق فهي ما يبقى من الإنسان حين تنتهي مسؤوليته، وينصرف عنه الناس، ويعود إلى بيته مجردًا من كل ما منحته إياه الحياة من امتيازات

ولعلّ الموعظة الأعمق في حكاية والدي أن الإنسان لا يحتاج إلى أن يتظاهر بالتواضع حتى يكون متواضعًا، فالتواضع الحقيقي يظهر في التفاصيل التي لا ننتبه إليها، وفي المواقف التي لا نخطّط لها، وفي الطريقة التي نتصرف بها حين نستطيع أن نطلب من الآخرين خدمتنا، ثم نختار ألّا نفعل. وليس عظيمًا من لا يملك أسباب التعالي فحسب، بل من تتوافر له تلك الأسباب، ثم يحتفظ بقدرته على أن يكون إنسانًا بسيطًا بين الناس

لقد أحببت أن أضمّن هذه الحادثة في كتابي "بعد الرحيل"، لأنني أردت أن يبقى من سيرة والدي ما يتجاوز تواريخ المناصب والرتب والقرارات الرسمية. فالتاريخ يستطيع أن يوثّق أن محمد علي الأمين شغل منصب محافظ العاصمة، لكنه قد لا يحتفظ بذكرى ذلك الرجل الذي خرج من المسجد ذات جمعةٍ وقد فقد حذاءه، فعاد إلى منزله حافي القدمين، دون أن يشعر بأن شيئًا من كرامته قد ضاع معه

واليوم، بعد سبعة عشر عامًا على رحيل والدي، ما زلت أستعيد تلك الحكاية التي حدّثني بها قبل وفاته، فأشعر أن الزمن لم يُبعِدني عنه بقدر ما قرّبني من فهمه. لقد أدركت أن بعض الآباء لا يتركون لأبنائهم ذكرياتٍ فحسب، بل يتركون لهم مواقف تظلّ تكبر في وجدانهم كلما تقدّم بهم العمر. ولعلّني لهذا أحببت أن أُضمّن هذه الحادثة في كتابي "بعد الرحيل"، لتبقى شاهدًا على رجلٍ لم تكن عظمته في المناصب التي تولاها، بل في القيم التي ظلّ يحملها حتى آخر أيامه

رحمك الله يا أبي، لقد حدّثتني يومًا عن حذاءٍ فقدته، ولم أكن أدرك حينها أنك تمنحني درسًا سأحتاج إلى سبعة عشر عامًا لأفهم عمقه. فقد عدتَ في ذلك اليوم إلى بيتك حافي القدمين، لكنك تركت خلفك أثرًا لا تمحوه السنون. واليوم، كلما استعدت خطواتك على ذلك الطريق، أدركت أن الإنسان لا يُقاس بما ارتفع إليه من مناصب، وإنما بما بقي في داخله من إنسانيةٍ حين بلغها

لقد رحلتَ يا أبي، وبقيت حكايتك تمشي معي، وكأنك حين فقدت حذاءك في ذلك اليوم، تركت لي طريقًا لا أضلّه ما حييت

Next
Next

إلى أمانة عمّان… لا تصادروا ما تبقّى من كرامة أبي كامل