بين جناحي الحلم والعمل
خاطرة صباحية
لم تكن أول مرة أقلعت فيها الطائرة مجرد درسٍ في الطيران،
بل كانت لحظة اكتشاف
حين ارتفعت الطائرة عن المدرج لأول مرة، شعرت أنني لا أتعلم كيف أقود آلة في السماء فحسب،
بل كيف أتحرر قليلًا من الجاذبية التي تربط الإنسان بأرضه وخوفه وحدوده
هناك، بين هدير المحرك واتساع الأفق، فهمت أن السماء ليست مكانًا بعيدًا نصل إليه،
بل تجربة داخلية تبدأ حين يجرؤ الإنسان أن يرفع نظره… ويصدّق أن الحلم يمكن أن يصبح طريقًا
خاطرة مسائية
في هدوء المساء، حين أستعيد تلك الأيام الأولى من التدريب العملي، أراها كأنها ولادة ثانية لحلمٍ عاش في داخلي طويلًا قبل أن يلمس الهواء الحقيقي. بعد شهور من الدراسة والكتب والمعادلات، جاء اليوم الذي أجلس فيه لأول مرة في مقعد الطيار. لم يكن الأمر مجرد خطوة تدريبية، بل لحظة عبور بين عالمين: عالم النظر إلى السماء، وعالم الدخول إليها
كان المطار في ذلك الصباح يبدو لي كمدينةٍ خاصة بالطائرات. أصوات المحركات في البعيد، رائحة الوقود، والأجنحة الممتدة على المدرج كأنها طيورٌ ضخمة تستعد للتحليق. عندما جلست في قمرة القيادة شعرت بأن الزمن يتباطأ. أمامي عدادات كثيرة، مفاتيح وأجهزة لم أكن قد اعتدت عليها بعد، وإلى جانبي مدربي الأمريكي يراقب كل حركة بدقة هادئة. في تلك اللحظة فهمت أن الطيران ليس مجرد مهارة، بل حالة من الانتباه الكامل، حيث يتحول كل تفصيل صغير إلى معنى
عندما بدأت الطائرة تتحرك على المدرج، شعرت أن شيئًا في داخلي يتحرك معها. هدير المحرك لم يكن مجرد صوت ميكانيكي، بل كان كإيقاع قلبٍ يستعد للقفز. ثم جاءت لحظة الإقلاع. ببطءٍ بدأت الأرض تتراجع تحتنا، والمباني تقلصت، والمدينة كلها تحولت إلى لوحة بعيدة. لم تكن تلك مجرد حركة صعود في الهواء؛ كانت لحظة أدركت فيها أن الإنسان حين يرتفع قليلًا عن الأرض، يرى العالم بطريقة مختلفة
لكن التدريب في السماء لم يكن وحده ما شكّل تلك المرحلة من حياتي. ففي الليل، كان هناك عالم آخر ينتظرني. بعد انتهاء الدروس، كنت أعمل في محطة بنزين على أطراف المدينة. كان الليل طويلًا، والهدوء كثيفًا، والسيارات تمرّ بسرعة ثم تختفي في الظلام. كنت أقف خلف زجاج الكشك الصغير وأشعر أنني أعيش بين عالمين متناقضين: في النهار أتعلم كيف أطير في السماء، وفي الليل أتعلم كيف أبقى ثابتًا على الأرض
وربما كان ذلك التوازن هو الدرس الحقيقي في تلك السنوات. فالسماء علّمتني الطموح، لكن الليل علّمني الصبر. الطائرة علّمتني كيف أرتفع، والعمل علّمني كيف أتحمّل الطريق الطويل نحو ذلك الارتفاع. وهكذا بدأت أفهم أن الطيران ليس مجرد مهارة في التحكم بالطائرة، بل هو قدرة على موازنة الحلم مع الواقع، والارتفاع مع الجذور، والسماء مع الأرض
ومنذ تلك الأيام أدركت أن الإنسان لا يصل إلى السماء فجأة
إنه يصل إليها خطوةً بعد خطوة
نهارًا بالحلم، وليلًا بالصبر