بين ضجيج النهار وصمت الليل

خاطرة صباحية

لم تكن رحلتي نحو السماء تجري في قمرة الطائرة وحدها
كانت تجري أيضًا في الأماكن التي لا يراها أحد

في النهار كنت طالب طيران يحلم بالتحليق،
وفي الليل كنت عاملًا في محطة وقود أو مطعم،
أحصي الساعات كما يحصي الطيار الأميال في رحلته

تعلّمت هناك درسًا بسيطًا لكنه عميق
أن الأحلام الكبيرة لا تُبنى فقط في لحظات الإلهام،
بل في الساعات الطويلة التي يعمل فيها الإنسان بصمت

خاطرة مسائية

في هدوء المساء، حين أستعيد تلك السنوات الأولى من حياتي في الغربة، أرى نفسي وكأنني كنت أعيش في عالمين متوازيين. في النهار كنت طالب طيران، أحمل كتبي وأجلس في قاعات الأكاديمية أتعلم قوانين السماء، أدرس كيف يرتفع الجناح في الهواء وكيف تقاوم الطائرة الجاذبية. كان الناس يرون فيّ شابًا طموحًا جاء من بلد بعيد ليحقق حلمه بالتحليق

لكن الليل كان يكشف جانبًا آخر من حياتي. حين تغيب الشمس وتفرغ الشوارع، كنت أتحول إلى عامل في محطة بنزين على أطراف المدينة. هناك، خلف زجاج الكشك الصغير، كنت أحصي النقود، وأنظف المضخات، وأراقب السيارات وهي تمرّ بسرعة ثم تختفي في العتمة. لم يكن أحد يسأل عن اسمي، ولا أحد يعرف أنني أقضي نهاري أدرس الطيران. كنت مجرد عامل يؤدي عمله في صمت، بينما يحمل داخله حلمًا لا يراه أحد

ومع مرور الوقت، أضفت إلى حياتي وظيفة أخرى في مطعم للوجبات السريعة. لم يكن القرار سهلاً، لكنه كان ضرورة. كنت أعمل بين الضجيج والحرارة والطلبات المتلاحقة، أقف لساعات طويلة خلف المنضدة، أبتسم للزبائن وأكمل العمل دون أن يعلم أحد أنني أحفظ في ذهني خرائط الملاحة الجوية وقوانين الطيران. كانوا يرون شابًا يعدّ الطعام بسرعة، لكنهم لم يعلموا أن كل ساعة عمل كانت بالنسبة لي خطوة صغيرة نحو السماء

في بعض الليالي، عندما أعود إلى غرفتي الصغيرة، كنت أشعر وكأنني جندي عاد من معركة طويلة. لم تكن هناك جروح ظاهرة، لكن التعب كان يسكن في أعماقي. أجلس على سريري، أراجع يومي بصمت، وأتساءل: إلى أي مدى يمكن للإنسان أن يتحمل؟ هل الجسد هو الذي ينهار أولاً، أم الروح؟ ثم أكتشف أن الروح، إذا كانت متمسكة بالحلم، تستطيع أن تعيد الجسد إلى الوقوف مرة أخرى

وهكذا بدأت أفهم أن الطريق إلى السماء لا يمرّ فقط عبر المطارات والطائرات، بل عبر الليالي الطويلة التي يقضيها الإنسان وهو يعمل بصمت. فالتحليق الحقيقي لا يبدأ حين ترتفع الطائرة عن الأرض، بل حين يقرر الإنسان أن يواصل السير نحو حلمه، حتى عندما لا يراه أحد… وحتى عندما لا يسمع تصفيقًا من أحد

Previous
Previous

حين صار الليل معلّمًا

Next
Next

بين جناحي الحلم والعمل