البؤساء… حين تعلّمنا المعاناة معنى الإنسان
تعود إليَّ اليوم رواية "البؤساء" للأديب الفرنسي فيكتور هوغو، الصادرة سنة ١٨٦٢، فتنهض من وراء أكثر من نصف قرن كأنها لم تكن كتابًا قرأتُه في الشباب، بل سؤالًا أمهله الزمن حتى أنضج له جوابًا. وما إن أذكرها حتى ينهض معي صديق العمر صبحي، رحمه الله؛ فقد قرأناها يوم كنا فتيين على مقاعد الدراسة، ثم استولت علينا الرواية حتى غدت حديثنا اليومي أكثر من شهر. كنا نلتقي فنختلف في جان فالجان، ونجادل في جافير، ونحزن لفانتين، ونسأل أيُّهما أعدل. القانون أم الرحمة؟ ثم نفترق، فإذا كان الغد عودةً إلى النقاش نفسه كأن شخصيات هوغو كانت تجلس معنا وتستمع إلينا
واليوم، وقد جاوزت السبعين، يؤلمني أن أعود إليها وليس صبحي إلى جواري. وكم كنت أتمنى لو امتد به العمر إلى هذه الساعة، لنجلس كما جلسنا يومئذٍ، ثم نسأل بعضنا. هل ما زلنا نقرأ الرواية كما قرأناها فتيين، أم أن الحياة أعادت كتابة الكتاب في عقولنا؟ فلعل أجمل ما في الكتب العظيمة أنها لا تتغير، ولكننا نحن الذين نتغير، فنعود إلى الصفحة ذاتها فنجد فيها ما لم نره أول مرة
وفي قلب الرواية يقف جان فالجان، الرجل الذي دفعه الجوع إلى سرقة رغيف خبز لإطعام أبناء أخته، فانتهى إلى سنوات طويلة من السجن صنعت منه رجلًا ناقمًا على المجتمع. لكنه يلتقي الأسقف ميرييل، الشيخ الرحيم الذي يعامله بكرامة حين كان ينتظر الاحتقار، ويقابله بالإحسان حين قابله العالم بالعقاب. ومن تلك اللحظة تبدأ ولادة جان فالجان الثانية، فيصير هوغو كأنه يسألنا. أيمكن لرحمةٍ واحدة أن تعيد بناء إنسانٍ هدمته أعوام من القسوة؟
وفي الجهة الأخرى يقف المفتش جافير، رجل القانون الذي لا يرى بين الأبيض والأسود منزلة. ليس شريرًا بالمعنى البسيط؛ بل رجلٌ آمن بالنظام حتى عبدَه، فصار القانون عنده أعلى من الإنسان. وفي شبابي كنت أراه مطاردًا قاسيًا، أما اليوم فأراه مأساةً فكرية: رجلًا لم يستطع احتمال أن يكون المذنب صالحًا، وأن تكون الرحمة أحيانًا أعدل من العقوبة
وتظهر فانتين، الأم التي يسحقها الفقر والنفاق الاجتماعي حتى تفقد العمل والكرامة والصحة وهي تحاول حماية ابنتها. إنها ليست شخصيةً بائسة فحسب، بل اتهامٌ يوجهه هوغو إلى مجتمع يعاقب ضحيته ثم يتبرأ من صنع مأساتها. أما ابنتها كوزيت، التي تتعرض للقسوة في طفولتها ثم يرعاها جان فالجان، فتمثل إمكان أن تنبت الحياة من أرضٍ ظنناها أجدبت. ويأتي ماريوس، الشاب المثالي المحب لكوزيت، حاملًا صوت جيل يريد التغيير، بينما يمثل الزوجان تيناردييه الوجه الآخر للمجتمع، الانتهازية التي تتغذى على بؤس الآخرين ولا ترى في الإنسان إلا ما يمكن أن تنتفع به منه
ومن خلال هؤلاء جميعًا لا يكتب هوغو حكاية أفراد، بل يقيم محكمةً للمجتمع الفرنسي في القرن التاسع عشر؛ للفقر، والطبقية، والقانون، والثورة، والضمير، والدين، والحب، والغفران. وكأنه يقول إن البؤس لا يولد دائمًا من خطيئة الإنسان، بل قد يصنعه نظامٌ اجتماعي ثم يعاقب صاحبه لأنه صار كما صنعه
وحين أتأمل الرواية اليوم بعين رجل أمضى عمرًا في الطيران، أتذكر كيف كانت المدن من علٍ تفقد فوارقها؛ القصر والكوخ يصغران معًا، والشوارع التي يتخاصم الناس عليها تصبح خطوطًا دقيقة. ولعل الحياة تحتاج أحيانًا إلى ذلك الارتفاع المعنوي. أن نبتعد قليلًا عن أحكامنا حتى نرى الإنسان قبل خطئه، وحكايته قبل الحكم عليه
في شبابي كنت أسأل صبحي. هل سينجو جان فالجان من جافير؟ أما لو كان إلى جواري اليوم، لربما سألته سؤالًا آخر. أيهما كان بحاجة أكبر إلى النجاة، السجين من القانون، أم جافير من سجنه الداخلي؟
الموعظة. ليست الرحمة نقيض العدل، بل قد تكون كماله حين تعرف موضعها. ولا ينبغي أن نحكم على إنسان من أسوأ صفحة في حياته، فقد يكون وراء الخطأ جوعٌ لم نعرفه، أو جرحٌ لم نره، أو طريقُ توبة لم يبدأ بعد. وأشد البؤساء بؤسًا ليس من قلَّ ماله، بل من ضاق قلبه حتى لم يعد فيه موضعٌ لرحمة إنسان