البؤساء… حين تعلّمنا المعاناة معنى الإنسان

خاطرة صباحية

في هذا الصباح الهادئ، عادت إلى ذاكرتي رواية البؤساء للكاتب الفرنسي فيكتور هوجو، تلك الرواية العظيمة التي قرأتها قبل ما يزيد عن خمسين عامًا، وأنا على مقاعد الدراسة. كانت آنذاك مجرد قصة مؤثرة في نظري، لكن أثرها بقي في داخلي دون أن أدرك عمقه الكامل

واليوم، وأنا طيّار متقاعد، أجدني أستحضرها من جديد، لا كذكرى بعيدة، بل كحقيقة تتجدد مع الزمن. كأن هذه الرواية لم تُكتب لزمنها فقط، بل لكل زمن يفقد فيه الإنسان بوصلته. أستعيدها اليوم وأنا أرى عالمًا تغيّرت فيه القيم، فأجد في صفحاتها ما يشبه المرآة… وما يشبه التحذير أيضًا

خاطرة مسائية

في المساء، حين يهدأ كل شيء، ويصبح الصمت مساحة للتأمل، أعود إلى البؤساء، لا كقارئ، بل كإنسان يعيد فهم الحياة بعد أن عاشها

لم تكن رواية فيكتور هوجو مجرد سرد لمعاناة "جان فالجان"، بل كانت رحلة عميقة في جوهر الإنسان: في سقوطه، في ضعفه، في خطيئته، وفي قدرته على النهوض من جديد. كانت تقول لنا إن الإنسان ليس ماضيه، بل ما يختار أن يكونه

حين قرأتها في شبابي، تأثرت بقسوة الظلم وبعظمة التضحية. أما اليوم، فأراها بشكل مختلف. أراها كوثيقة أخلاقية، كصرخة في وجه القسوة، وكدعوة دائمة للرحمة

لقد علّمتني البؤساء أن العدالة بلا رحمة قسوة، وأن القانون وحده لا يصنع إنسانًا، بل القلب هو ما يفعل. واليوم، حين أنظر إلى ما نعيشه، أجد أن العالم أصبح أكثر تنظيمًا… لكنه أقل رحمة. أكثر تطورًا… لكنه أقل إنسانية

في زمننا هذا، حيث تُقاس القيمة بما نملك، لا بما نكون، أجد أن رسالة البؤساء أصبحت أكثر إلحاحًا. فقد كان "جان فالجان" سجينًا سابقًا، لكن إنسانيته كانت أوسع من قيود ماضيه. أما اليوم، فكثيرون أحرار في ظاهرهم، لكنهم أسرى لما يملكون، أو لما يعرضون

كطيار، عشت سنوات في السماء، وتعلمت أن المسافات تتقلص كلما ارتفعنا، لكنني أدركت أيضًا أن القرب الحقيقي لا يُقاس بالمكان، بل بالشعور. وكذلك هو حال الإنسان: قد يقترب من كل شيء… ويبتعد عن نفسه

إن ما نراه اليوم من تغيّر في القيم، ومن تراجع في معاني التضحية والرحمة، يجعلني أستحضر البؤساء كمرجع، لا كقصة. فهي تذكرنا أن الإنسان يمكن أن يسقط، نعم… لكنه يستطيع أن يقوم، إذا وجد من يرحمه، أو إذا قرر أن يرحم غيره

رسالتي إلى هذه الأجيال: لا تجعلوا القسوة أمرًا عاديًا، ولا تفقدوا قدرتكم على التعاطف. فالعالم لا يحتاج إلى مزيد من الذكاء فقط… بل إلى مزيد من القلوب. لقد تغيّر كل شيء من حولنا… إلا حقيقة واحدة
أن الإنسان يبقى إنسانًا بما يحمل في داخله، لا بما يحيط به. وفي هذا المساء، أدرك أن بعض الكتب لا نقرأها مرة واحدة… بل نعود إليها كلما تغيّرنا، لنفهم أنفسنا من خلالها

Previous
Previous

ثلاثية القاهرة… حكاية بيتٍ تغيّر، وزمنٍ تبدّل، وقيمٍ تتآكل

Next
Next

Between Yesterday’s Bread and Today’s Noise… A Message to a Generation Searching for Meaning