ثلاثية القاهرة… حكاية بيتٍ تغيّر، وزمنٍ تبدّل، وقيمٍ تتآكل

خاطرة صباحية

مع إشراقة هذا الصباح، وجدتني أستحضر من أعماقي “ثلاثية القاهرة” لنجيب محفوظ، تلك الرواية التي عبرت بي ذات يوم، قبل أكثر من خمسين عامًا، وأنا شاب أجلس على مقاعد الدراسة، أكتشف الحياة من بين صفحات الكتب

لم أكن يومها أدرك أنني لا أقرأ مجرد قصة، بل أختزن زمنًا كاملًا سيعود إليّ بعد عقود، وأنا اليوم طيّار متقاعد، أتأمل الحياة من زاوية مختلفة. أستعيد تلك الشخصيات وكأنها لم تغادر، وأرى في تفاصيلها شيئًا مما نعيشه الآن، وكأن الزمن يدور ليعيد طرح الأسئلة نفسها، لكن بوجوه جديدة

هذا الصباح لا يمر كغيره، لأنه يذكّرني أن بعض الكتب لا نتركها… بل هي التي تبقى فينا، تنتظر لحظة نضج لنفهمها كما ينبغي

خاطرة مسائية

في المساء، حين أعود إلى نفسي، وأراجع ما مرّ من يومي، أجدني أفتح صفحات “ثلاثية القاهرة” في ذاكرتي، لا لأقرأ، بل لأقارن

لم تكن ثلاثية نجيب محفوظ مجرد سرد لحياة "السيد أحمد عبد الجواد" وأسرته، بل كانت تشريحًا دقيقًا للمجتمع، ولحركة الزمن داخل الإنسان قبل أن تكون خارجه. كانت ترصد كيف تنتقل القيم من جيل إلى جيل، وكيف تتغير، أحيانًا ببطء، وأحيانًا بانكسار مفاجئ.

حين قرأتها في شبابي، رأيت فيها صراع السلطة داخل البيت، وتمرد الأبناء، وتبدل الأفكار. أما اليوم، فأراها بشكل أعمق: أراها كحكاية عن التوازن الذي كان موجودًا… ثم بدأ يختل

لقد كان هناك نظام، ربما كان صارمًا، لكنه كان واضحًا. وكان هناك احترام، ربما كان ممزوجًا بالخوف، لكنه كان يحفظ شكل العلاقة. أما اليوم، فنحن نعيش زمنًا انكسرت فيه الحواجز، لكننا لم نبنِ بديلًا متوازنًا

في ثلاثية محفوظ، كان التغيير يحدث تدريجيًا، وكان لكل جيل منطقه، وصوته، وأسبابه. أما في زمننا، فالتغيير أصبح سريعًا إلى حد يفقد معه الإنسان جذوره. لم يعد هناك وقت للفهم، بل فقط للانتقال.

كطيار، تعلمت أن أي تغيير مفاجئ في الاتجاه قد يكون خطرًا إن لم يكن محسوبًا. وكذلك هو حال المجتمعات: التغير حين يفقد حكمته، يصبح ارتباكًا، لا تطورًا

إن ما نراه اليوم من تغيّر في القيم، ومن اتساع الفجوة بين الأجيال، يجعلني أعود إلى “ثلاثية القاهرة” لأفهم: كيف كنا نتحول… وكيف أصبحنا نتبدل

لقد علّمتني هذه الرواية أن الأسرة ليست مجرد أشخاص يعيشون تحت سقف واحد، بل هي منظومة قيم، إذا اختلّت، اختلّ معها كل شيء. وأن الحرية، إن لم تُرافقها مسؤولية، تتحول إلى فوضى هادئة

رسالتي إلى هذا الجيل: لا تقطعوا جذوركم وأنتم تبحثون عن أجنحتكم. فمن لا ماضي له، لا يستطيع أن يثبت في أي مستقبل. لقد تغيّرت البيوت، وتبدّلت الوجوه، وتسارعت الحياة… لكن الإنسان يبقى محتاجًا إلى معنى، إلى انتماء، وإلى توازن

وفي هذا المساء، أدرك أن بعض الروايات ليست فقط مرآة لزمنها… بل بوصلة، نعود إليها كلما ضاعت الاتجاهات

Previous
Previous

دعاء الكروان… حين يتحوّل الألم إلى صوتٍ للضمير

Next
Next

البؤساء… حين تعلّمنا المعاناة معنى الإنسان