دعاء الكروان… حين يتحوّل الألم إلى صوتٍ للضمير
خاطرة صباحية
في لحظة صفاء مع هذا الصباح، عادت إلى ذاكرتي رواية دعاء الكروان للأديب الكبير طه حسين، تلك الرواية التي قرأتها قبل أكثر من خمسين عامًا، وأنا لا أزال على مقاعد الدراسة. يومها، تأثرت بحكاية "آمنة" وما حملته من ألم وتمرّد، لكنني لم أكن أدرك أن تلك القصة سترافقني كل هذا العمر
واليوم، وأنا طيّار متقاعد تجاوزت السبعين، أستعيدها بروح مختلفة، كأنني أقرأها من جديد، لكن بعينٍ أكثر وعيًا. أسمع في "دعاء الكروان" صوتًا يتجاوز القصة، صوتًا يشبه ضمير الإنسان حين يستيقظ، يذكّرنا أن الألم ليس نهاية الطريق، بل قد يكون بدايته
خاطرة مسائية
في المساء، حين يهدأ كل شيء، أجد نفسي أعود إلى دعاء الكروان، لا كقصة أدبية فقط، بل كحالة إنسانية عميقة، تكشف ما يدور في داخل النفس حين تُجرح، وحين تبحث عن معنى للعدالة
طه حسين لم يكتب مجرد رواية، بل رسم صراعًا داخليًا بين الانتقام والتسامح، بين الألم والنضج، بين ما نشعر به وما يجب أن نكون عليه. "آمنة" لم تكن فقط فتاة تبحث عن حق أختها، بل كانت تمثل صوت الضمير حين يقف الإنسان أمام اختبار قاسٍ
حين قرأتها في شبابي، رأيت فيها قصة ظلم، وصرخة غضب. أما اليوم، فأراها درسًا في أن الإنسان قد يبدأ طريقه بدافع الانتقام، لكنه قد يصل إلى شيء أعمق… إلى فهم، وربما إلى سلام
لقد علّمتني دعاء الكروان أن الصوت الحقيقي ليس ما نصرخ به، بل ما نحمله في داخلنا. وأن الألم، إن لم نحسن فهمه، قد يحوّلنا إلى نسخة مما نرفضه
واليوم، حين أنظر إلى هذا العالم، أرى كثيرًا من الأصوات… لكنها ليست كلها نابعة من ضمير. نعيش زمنًا كثرت فيه الضوضاء، وقلّ فيه الإصغاء، حتى أصبح الإنسان يسمع كل شيء… إلا نفسه
كطيار، عشت سنوات أستمع إلى الإشارات بدقة، لأن أي خطأ في الفهم قد يكون مكلفًا. وكذلك هو الإنسان: إن لم يُحسن الإصغاء لصوت داخله، قد يضل الطريق، حتى لو بدا أنه يسير بثقة
إن ما نشهده اليوم من تغيّر في القيم، ومن تراجع في الحس الإنساني، يجعلني أعود إلى دعاء الكروان لأتساءل: هل ما زلنا نملك ذلك الصوت الداخلي الذي يراجعنا؟ أم أننا أصبحنا نعيش وفق ما يُملى علينا من الخارج؟
لقد كانت "آمنة" في صراع مع العالم، لكنها في النهاية واجهت نفسها. وهنا تكمن الحكمة: أن أصعب المواجهات ليست مع الآخرين، بل مع الذات
رسالتي إلى هذا الجيل: لا تجعلوا الألم يقودكم، بل تعلّموا منه. ولا ترفعوا أصواتكم قبل أن تسمعوا ما في داخلكم. فالحياة ليست صراعًا دائمًا، بل رحلة فهم… ومن لا يفهم نفسه، لن يفهم العالم
وفي هذا المساء، أدرك أن بعض الروايات ليست فقط حكايات… بل أصوات تبقى معنا، تنادينا كلما ابتعدنا عن حقيقتنا