رجال في الشمس… حين صار الخزان سؤالًا

أقبل الصباح، فإذا بذكرى "رجال في الشمس" لغسان كنفاني تهبُّ على النفس هبوبَ الصَّبا على طللٍ عافٍ، فتبعث من رماد السنين جمرةً حسبتُها قد خمدت. قرأتُ الرواية في مطلع السبعينيات، وأنا في شرخ الشباب، حين أعارني إياها صديقٌ عزيز، رحمه الله، كان له فضلٌ كبير في أن يُحبِّب إليَّ القراءة منذ أيام دراستي في كلية الحسين. يومئذٍ قرأتُها بعين الفتى الذي يتتبع الحكاية، ولم أكن أعلم أن سؤالها الأخير سيقيم في ذاكرتي أكثر من نصف قرن، حتى أعود إليه وقد غيّر العمرُ فيَّ كثيرًا مما كنت أظنه ثابتًا

واليوم، وقد جاوزت السبعين، وبعد عمرٍ أمضيتُه طيارًا أجوب الآفاق، وأرى المدن تنكمش تحت الجناح، والحدود تضؤل من علٍ، والبحار التي تتسع على الخرائط تغدو من السماء خطوطًا زرقاء بعيدة، عدتُ إلى الرواية ببصيرةٍ غير التي قرأتُها بها في شبابي. فما عاد الخزان في نظري وعاءً من حديد اختبأ فيه أبو قيس وأسعد ومروان، بل غدا رمزًا لكل ضيقٍ يقبله الإنسان طمعًا في النجاة، ولكل خوفٍ يعقد اللسان حين يكون الصوت آخر ما بقي من أسباب الخلاص

في شبابي رأيتُ المأساة في لهيب الصحراء وقسوة الطريق، أما اليوم فأرى أن أشدَّ القيظ كان في الصمت. لم تكن جدران الخزان وحدها هي التي أحكمت عليهم النهاية، بل كان ثمة خوفٌ أخرس النداء، وانتظارٌ أضاع لحظة القرار، ورجاءٌ عُلِّق على إرادة غيرهم. ثم خمدت الأنفاس، وبقي السؤال يضرب الذاكرة كحدِّ الحسام: لماذا لم يدقّوا جدران الخزان؟

وبعد هذا العمر، لم يعد السؤال عن أولئك الرجال وحدهم، بل عنّا جميعًا: كم خزانًا ندخله لأن المجهول خارجه يخيفنا؟ وكم جدارًا نصمت أمامه لأن قرعه يحتاج إلى شجاعة؟ وكم مرةً سمّينا الاستسلام صبرًا، والتردد حكمةً، والخوف تعقّلًا؟

علّمتني السماء أن الرجاء وحده لا يقود طائرة، وأن الخطر إذا حضر استدعى قرارًا، فالمسار لا يُصحَّح بالتمنّي، والنجاة لا تُوهَب لمن يكتفي بالانتظار

الموعظة: لا تجعل خوفك خزانًا تسكنه، ولا صمتك قَدَرًا تستسلم له. فإذا ضاق عليك الجدار، فاقرعه ما دام في صدرك نَفَس، فصوت المحاولة، وإن خفت، أكرم من سكونٍ يبتلع صاحبه، ثم لا يترك وراءه إلا سؤالًا جاء بعد فوات الأوان

Previous
Previous

الأسد والساحرة والخزانة… حين صار العبور امتحانًا للروح

Next
Next

دعاء الكروان… حين يتحوّل الألم إلى صوتٍ للضمير