الأسد والساحرة والخزانة… حين صار العبور امتحانًا للروح

تعود إليَّ اليوم رواية "الأسد والساحرة والخزانة" للكاتب البريطاني المولود في بلفاست سي. لويس، والصادرة سنة ١٩٥٠، فتنهض من وراء نحو نصف قرن بوجهٍ غير الذي عرفته لها أول مرة. قرأتُها في منتصف السبعينيات، وأنا في الولايات المتحدة أطلب علوم الطيران، وكانت من أوائل الكتب التي جاهدتُ نفسي على قراءتها بالإنجليزية. جئت يومئذٍ من كلية الحسين، وكانت قدرتي على القراءة والفهم بهذه اللغة، إن وزنتها من عشر، لا تجاوز درجتين أو ثلاثًا. فكنت أقف عند اللفظة وقوف الغريب على مفازةٍ لا يعرف مسالكها، وأستعين بالمعجم، ثم أعود إلى السطر مرات، وربما أنفقت ساعاتٍ في صفحات معدودة. وما كنت أدري أنني، قبل أن أعبر خزانة الرواية، كنت أعبر خزانتي أنا، من ضيق اللغة إلى فسحة المعرفة

يوم قرأتُ الرواية شابًا، أخذتني المغامرة. أربعة إخوة يعبرون خزانةً تبدو كسائر الخزائن، فإذا وراءها نارنيا، وهي مملكة خيالية سحرية ابتدعها لويس، تسكنها مخلوقات ناطقة وكائنات أسطورية، وقد استبد بها شتاء طويل فرضته الساحرة البيضاء حتى غدا غياب الربيع صورةً لغياب الحرية والرجاء. يومها كنت أتتبع الحدث وأنتظر انتصار الخير، أما الآن، وقد جاوزت السبعين، وبعد عمرٍ حملتني فيه الطائرات فوق القارات والبحار والمدائن، فأقرأ ما وراء الحكاية

فالخزانة لم تعد عندي قطعة أثاث، بل عتبةً بين حالين من الوجود بين المألوف والمجهول، وبين الإنسان قبل الامتحان والإنسان بعده. فمن يعبرها لا ينتقل من غرفة إلى غابة فحسب، بل يدخل ميدانًا تنكشف فيه حقيقة النفس حين توضع أمام الخوف والإغراء والمسؤولية

وأقف اليوم طويلًا عند إدموند، أحد الإخوة الأربعة. كان صبيًا تستبد به الغيرة والرغبة في أن يكون ذا شأن، فتستدرجه الساحرة البيضاء بالوعود والإغراء حتى يخون إخوته. في شبابي رأيت فيه خائنًا في سياق المغامرة، أما اليوم فأراه من أعمق رموز الرواية، فالشر عند لويس لا يدخل النفس دائمًا صارخًا، بل قد يأتيها في هيئة رغبة صغيرة، أو جرح في الكرامة، أو وعدٍ يمنحها ما تشتهي. غير أن إدموند يعود ويندم ويتغير، وكأن الكاتب يقول إن الإنسان لا يُختزل في عثرته، وإن باب الرجوع أوسع من لحظة السقوط

أما الأسد فيمثل قوةً لا تقوم على البطش، بل على التضحية والرحمة، بينما تمثل الساحرة سلطةً تريد إخضاع العالم بالخوف وتجميد الحياة فيه. وهكذا لا يعود الصراع بين شخصيتين، بل بين الحرية والاستبداد، والوفاء والخيانة، والبذل والاستحواذ

لقد كنتُ في قراءتي الأولى أفكُّ رموز اللغة لأفهم ماذا حدث؛ أما اليوم فأفكُّ رموز الحياة لأفهم لماذا حدث، وماذا أراد لويس أن يقول عن الإنسان

الموعظة: قد تدخل كتابًا وأنت تظن أنك تتعلم لغة، ثم تكتشف بعد نصف قرن أن الكتاب كان يعلّمك نفسك. وما كل بابٍ عسير ينبغي الرجوع عنه، فلربّ عتبةٍ أرهقتك في شبابك كانت هي التي وسّعت لك العالم حين كبرت

Previous
Previous

موسم الهجرة إلى الشمال… حين تصبح الرحلة مواجهة مع الذات

Next
Next

رجال في الشمس… حين صار الخزان سؤالًا