عمّان التي تكبر والمسافة التي تتسع بين أهلها

من نافذة الطائرة تبدو عمّان أقرب إلى نفسها. تتجاور بيوتها على امتداد الجبال وتنحني شوارعها بين التلال وتذوب الفروق التي يعرفها الناس وهم يمشون على الأرض. لا ترى من ذلك الارتفاع تعب رجل ينتظر وسيلة تنقله إلى عمله ولا قلق أم تحسب كلفة الطريق إلى مدرسة أبنائها ولا شابًا ينظر إلى حي قريب ويشعر أن الحياة فيه بعيدة عن متناوله. تمنحنا السماء صورة مكتملة، لكنها تحجب التفاصيل التي يصنع منها السكان أعمارهم وربما لهذا يحتاج من اعتاد النظر إلى المدن من الأعلى أن يعود إلى شوارعها، ليفهم ما لا تقوله الخرائط

تكبر عمّان ونرى اتساعها في مبانٍ تصعد على السفوح وأسواق تفتح أبوابها وأحياء تمتد حيث كانت الأرض أكثر فراغًا. غير أن نمو المدينة يطرح سؤالًا يتجاوز مقدار ما أضفناه إلى عمرانها. ماذا أضاف هذا العمران إلى حياة أهلها؟ هل جعل الوصول إلى العمل أيسر والتعليم الجيد أقرب والعلاج أقل مشقة؟ وهل يستطيع الطفل الذي يولد في طرفها أن ينظر إلى مستقبله بالثقة نفسها التي يحملها طفل يولد في طرف آخر؟ هناك، في الإجابة عن هذه الأسئلة، يظهر الفرق بين مدينة تتسع حدودها ومدينة تتقدم حياة سكانها

ليست المسافة في عمّان عدد الكيلومترات بين بيتين. قد يسكن شخصان على بعد دقائق ويفصل بينهما اختلاف عميق في معنى اليوم العادي. يستيقظ أحدهما ولديه وقت يختار كيف ينفقه، فيما يبدأ الآخر نهاره بمفاوضة متعبة مع المواصلات والمواعيد والمصاريف. تتحدد حرية الإنسان أحيانًا بما يبقى له من ساعات بعد أن يؤدي الضروري ومن يقضي جزءًا طويلًا من عمره في الوصول إلى رزقه يعود إلى بيته وقد استُهلكت قدرته على القراءة والجلوس مع أطفاله والتفكير في تغيير حياته. هكذا تتحول مشقة التنقل إلى تفاوت في فرص العيش نفسه

في الطيران، لا تكفي معرفة الوجهة حتى تصبح الرحلة ممكنة. ثمة حسابات للوقود والحمولة والطقس ومراجعة للطريق وانتباه مستمر لما قد يطرأ وأي قرار يُتخذ داخل قمرة القيادة تمتد نتائجه إلى كل من في الطائرة. هذه المسؤولية تمنح التخطيط معناه الأخلاقي، لأن وراء الأرقام بشرًا ائتمنوا غيرهم على سلامتهم. وحين أفكر في المدينة، أجد أن قراراتها تحتاج إلى هذا الوعي بالعواقب. فالطريق الجديد يغير يوم آلاف الناس وموقع المدرسة يقرر مقدار ما سيقطعه الأطفال وتنظيم حي قد يمنح ساكنيه الطمأنينة أو يتركهم سنوات يدفعون ثمن قرار لم يشاركوا فيه

وحين تهبط الطائرة، تستعيد الأرض تعقيدها. تخرج من المطار لتدخل في إيقاع المدينة وتكتشف أن الارتفاع الذي جعلها متصلة لم يكن كافيًا لفهم الصلات بين أهلها. عند الإشارة تقف سيارات متفاوتة القيمة، لكن أصحابها لا ينتظرون بالقلق نفسه. قد يكون التأخير تفصيلًا عابرًا عند أحدهم وقد يعني عند آخر خصمًا من أجره أو ضياع موعد انتظره طويلًا. المشهد واحد في ظاهره، إلا أن كلفته موزعة بطرق مختلفة وتلك من أصعب صور اللامساواة، أن نعيش الحدث ذاته ولا نملك القدرة ذاتها على احتمال نتائجه

تتسع المسافة بين الناس أيضًا حين تنفصل تجاربهم اليومية، فيصبح كل فريق عاجزًا عن تصور حياة الآخر. من لم يختبر انتظار الحافلة تحت المطر قد يتحدث بسهولة عن التأخر ومن لم يضطر إلى تأجيل علاج قد يفسر التعب بقلة الاهتمام بالصحة ومع الوقت، تنشأ أحكام قاسية من نقص المعرفة. نحمّل الأفراد كامل مسؤولية ظروفهم وننسى أن الاجتهاد يحتاج إلى أرض يقف عليها. لا تتساوى البدايات لمجرد أننا نطالب الجميع بالوصو ولا يصبح السباق عادلًا لأن الطريق مفتوح على الورق

ولا يعني هذا أن نحاكم كل نجاح أو ننظر بريبة إلى كل بيت جميل. في عمّان تعب كثير تحول إلى إنجاز، وأسر بنت استقرارها بسنوات من العمل والحرمان. لكن احترام الجهد الفردي يقتضي أن نسأل عن الذين يبذلون جهدًا مماثلًا ولا يجدون سبيلًا واضحًا للتقدم. الخلل الذي يستحق النقاش هو أن يصبح عنوان السكن اختصارًا لمستقبل صاحبه وأن تمنح المدينة بعض أبنائها أدوات الصعود، فيما تترك آخرين يستهلكون طاقتهم في تثبيت أقدامهم. عندها يضعف الإيمان بأن العمل يفتح بابًا ويحل مكانه شعور مرير بأن الأبواب موزعة منذ البداية

أفكر أحيانًا في الطفل الذي يرفع رأسه حين يسمع طائرة. يتتبعها بعينيه حتى تغيب وقد يتخيل نفسه يومًا في مقعد قيادتها. لا يسأله الحلم في تلك اللحظة عن دخل أسرته أو اسم مدرسته. لكن السنوات التالية ستضع أمامه شروطًا كثيرة، بعضها يتصل باجتهاده وبعضها لا يملك أمره وهنا تبدأ مسؤوليتنا عن المسافة بين الخيال والفرصة. قيمة التعليم أن يمنح ذلك الطفل معرفة يستطيع أن يتحرك بها وأن يجد من يأخذ طموحه بجدية، بدل أن يتعلم مبكرًا كيف يخفض سقف ما يرجوه من الحياة

وللمكان العام دور في تقريب هذه الحيوات المتباعدة. الحديقة التي يستطيع الجميع دخولها والرصيف الذي يحمي المشاة والمكتبة التي تفتح أبوابها للطلاب، مرافق تمنح السكان فرصة الوجود معًا خارج علاقة البيع والشراء. حين تصبح معظم الأماكن الجيدة مشروطة بالقدرة على الدفع، يضيق حق الناس في مدينتهم. يحتاج الإنسان إلى مكان يجلس فيه دون أن يطلب شيئًا وإلى فسحة يرافق إليها أبناءه دون أن يحسب كلفة كل ساعة. في هذه التفاصيل يتكون شعوره بأن عمّان تتسع له فعلًا وأن حضوره فيها يتجاوز دوره عاملًا أو مستهلكًا

وقد تحملنا محبة المدينة إلى تجميل ماضيها. نستعيد الجيرة القديمة والبيوت المفتوحة وننسى ما عرفته تلك الأيام من مشقة وضيق. لسنا بحاجة إلى اختراع زمن مثالي حتى نفهم ما نفتقده الآن. ما يستحق الاستعادة هو استعداد الناس للاعتراف ببعضهم ومعرفة أن وراء الباب المجاور حياة تخصهم على نحو ما. يمكن لمدينة حديثة واسعة ومزدحمة، أن تحافظ على هذا الحس إذا وجدت خدمات عادلة ومؤسسات تستجيب ومساحات تسمح بالتعارف. الألفة تحتاج إلى ظروف تحميها وإلا بقي الحنين كلامًا جميلًا لا يخفف وحشة أحد

ومن خبرة الطيران يتعلم المرء أن هدوء الرحلة لا يعفي من متابعة المؤشرات. قد تبدو السماء صافية بينما تتغير الظروف أمامك وقد يستمر المسار على نحو مطمئن فيما يحتاج إلى تصحيح مبكر وفي المدن أيضًا مؤشرات يجدر الإصغاء إليها قبل أن تتحول إلى أزمات. شاب يكف عن التقدم للوظائف وأسرة تستدين لتغطية حاجاتها الأساسية وطالب يترك ما يحب لأن الطريق إليه مكلف، كلها حكايات تستحق أن تدخل في فهمنا للتنمية. حين نعزل القرار عن هذه التجارب، نحصل على صورة أنيقة يصعب على كثيرين العثور على أنفسهم داخلها

لن تستطيع عمّان إلغاء جميع الفوارق ولا توجد مدينة تعد أهلها بحياة متطابقة. لكنها تستطيع أن تجعل الضروريات أقل ارتهانًا لدخل الفرد ومكان إقامته. نقل عام يعتمد عليه ومدرسة تمنح تعليمًا يفتح الأفق ورعاية صحية تحفظ الكرامة وتخطيط يحسب حساب كبار السن والأطفال والأشخاص ذوي الإعاقة. هذه خيارات يتجسد أثرها في مقدار القلق الذي نحمله كل صباح وكلما اطمأن الإنسان إلى أساسيات حياته، اتسعت قدرته على المشاركة والعمل والإبداع وصار أكثر استعدادًا لأن يرى في تقدم المدينة شأنًا يخصه

أحب منظر عمّان حين تظهر من الجو وأفهم ما يثيره امتدادها المضيء في القلب. لكن محبة المكان تزداد نضجًا حين تحتمل رؤية تعبه. خلف كل نافذة قصة لا تختصرها الإضاءة وفي كل حي أناس يريدون حصة معقولة من الوقت والراحة والأمل وما أرجوه لهذه المدينة أن يظل اتساعها مناسبة لاقتراب أهلها من حياة أكرم. أن يجد القادم من أطرافها طريقًا ميسرًا إلى فرصته وأن يشعر المقيم في قلبها بمسؤوليته عمن لا يراهم كل يوم. يومها، حين ننظر إليها من نافذة الطائرة، سيكون في جمال المشهد شيء نعرف أنه يصل إلى الأرض ويستقر في حياة الناس

Next
Next

From Omar Mukhtar to Palestine