قبل أكثر من عشرين عامًا قرأت النسخة الإنجليزية من كتاب "شمس العرب تسطع على الغرب" للباحثة الألمانية زيغريد هونكه، الصادر سنة 1960 مرّت أعوام طويلة وتلاشت من الذاكرة تفاصيل كثيرة، لكن كلمة واحدة بقيت عالقة فيها. البيمارستان
ولم تكن الكلمة هي التي بقيت بقدر ما بقي المعنى الذي يقف خلفها، البيمارستان كلمة فارسية الأصل، "بيمار" تعني المريض و"ستان" تعني المكان، لكن المسلمين لم يجعلوه مجرد "مكان للمرضى" ففي مدن مثل بغداد ودمشق والقاهرة تطور إلى مؤسسة للعلاج والرعاية والتعليم الطبي وعمل فيه الأطباء والصيادلة وتنوعت أقسامه بحسب الأمراض وأسهم الوقف في تمويل عدد من هذه المؤسسات
هذه حقائق تاريخية مهمة، لكنها اليوم لا تستوقفني بقدر ما تستوقفني الفكرة التي صنعتها، كان المريض يدخل البيمارستان مريضًا قبل أن يكون أي شيء آخر، لم يكن مطلوبًا منه أن يثبت قيمته الإنسانية ولا أن يقدم تعريفًا بثروته قبل تعريف مرضه، كانت نقطة البداية هي الضعف البشري نفسه. إنسان يتألم ومجتمع يرى أن لهذا الألم حقًا عليه - وهذا، في نظري هو المعنى الحضاري الحقيقي للبيمارستان، فنحن نخطئ حين نقيس الحضارات بما بنته فقط، قد يرتفع البناء ويهبط الإنسان داخله وقد تتواضع الجدران بينما ترتفع الفكرة التي أقيمت من أجلها
اليوم ندخل مستشفى حديثًا فنرى عالمًا كان سيبدو لطبيب عاش قبل ألف عام ضربًا من السحر. التصوير بالرنين المغناطيسي والجراحات الدقيقة والروبوت والعلاج الجيني والذكاء الاصطناعي الذي أصبح قادرًا على مساعدة الطبيب في قراءة بعض الصور والبيانات الطبية
لقد تطورت قدرة الإنسان على رؤية المرض داخل الجسد إلى حدود مدهشة، لكن السؤال الذي يعنيني أكثر هو. هل تطورت قدرتنا على رؤية المريض نفسه ؟ ذلك الإنسان الجالس خلف التحاليل والأرقام، الذي لا يعرف أحيانًا هل يخاف من نتيجة الفحص أكثر أم من تكلفة العلاج التي ستأتي بعدها، لا أقول إن الطب يستطيع أن يعيش خارج الاقتصاد، المستشفى يحتاج إلى المال والطبيب إلى التدريب والبحث العلمي إلى التمويل والدواء إلى مصانع ومختبرات لكن ثمة فرقًا دقيقًا وخطيرًا بين أن يكون المال خادمًا للطب وأن يصبح الطب خادمًا للمال
حين يحدث الانقلاب، تتغير اللغة أولًا لا يعود أمامنا مريض، بل "حالة" ولا يصبح العلاج ضرورة إنسانية فقط، بل "خدمة" وقد يتحول من جاء باحثًا عن النجاة إلى "عميل" واللغة ليست بريئة دائمًا، لأنها تكشف الطريقة التي بدأنا ننظر بها إلى الإنسان
ربما لم يكن البيمارستان مثاليًا ولا ينبغي لنا أن نحوله إلى أسطورة عن زمن كامل خالٍ من النقص، ذلك سيكون ظلمًا للتاريخ، لكن الفكرة التي يمثلها تستحق أن نقف أمامها، أن المجتمع يستطيع أن ينظر إلى علاج المريض باعتباره مسؤولية أخلاقية لا مجرد صفقة بين مقدم خدمة ومن يستطيع دفع ثمنها
وهنا يبدو البيمارستان أكثر حداثة مما نظن، لأن سؤال المستقبل الطبي ليس فقط. كيف سنعالج الأمراض التي لا نستطيع علاجها اليوم ؟ بل هناك سؤال أصعب. من سيستطيع الوصول إلى ذلك العلاج ؟ فما قيمة أن يكتشف الإنسان دواءً ينقذ الحياة إذا بقيت الحياة نفسها موزعة وفق القدرة على دفع ثمن النجاة؟
الطب يبدأ من العلم، لكنه لا يكتمل إلا بالأخلاق، فالآلة تستطيع أن تقيس نبض القلب، لكنها لا تعرف معنى الخوف في قلب صاحبه والتحليل يستطيع أن يكشف المرض، لكنه لا يستطيع أن يخفف وحده رهبة المريض وهو ينتظر الجواب ولهذا كان الطبيب وسيبقى أكثر من قارئ لنتيجة مخبرية، إنه الإنسان الذي يقف بين إنسان آخر وبين خوفه
الموعظة
حين أفكر اليوم في البيمارستان، لا أراه أثرًا من الماضي، بل سؤالًا موجّهًا إلى مستقبلنا، ربما سنبني مستشفيات أذكى ونطور أدوية أدق ونجعل الذكاء الاصطناعي يرى في الجسد ما تعجز عنه العين البشرية. لكن كل هذا التقدم سيبقى ناقصًا إذا دخل الإنسان إلى المستشفى وشعر أن مرضه أقل أهمية من قدرته على الدفع. فالحضارة الطبية لا تبلغ ذروتها عندما تستطيع إنقاذ من يملك ثمن العلاج، بل عندما تستطيع أن تنظر إلى المريض في لحظة ضعفه وتقول له. حياتك ليست فاتورة
ولعل هذا هو الدرس الذي بقي معي من البيمارستان. أن أعظم مستشفى ليس الذي يملك أحدث آلة، بل الذي لا يسمح للآلة والحساب والربح أن تجعلنا ننسى أن وراء كل ملف إنسانًا جاء طالبًا شيئًا واحدًا فقط. قليلًا من الرحمة… وفرصة أخرى للحياة