المعلّم... أول من علّمني الطيران قبل أن أعرف السماء

قبل أن أعرف معنى الارتفاع وقبل أن أجلس خلف مقود طائرة عرفتُ نوعًا آخر من الرحلات. رحلة تبدأ من مقعد خشبي صغير أمام سبورة سوداء يقودها رجل لا يحمل جناحين لكنه يفتح أمامك سماءً كاملة، كان ذلك هو المعلّم، لم أفهم يومها أن بعض الناس يعلّموننا كيف نغادر الأرض قبل أن نعرف الطيران

كنت أهاب على نحو خاص أستاذ اللغة العربية وأستاذ التربية الإسلامية. لم يكن الخوف من العلم نفسه، بل من هيبة من يحمله. كنت أخشى أن يطلب مني أستاذ العربية إعراب جملة فتتبعثر الكلمات في ذهني أو أن يوجّه إليّ أستاذ التربية الإسلامية سؤالًا فأشعر أن دقائق الصمت أطول من الحصة ومع مرور الزمن أدركت أنني لم أكن أخاف من المعلّم بقدر ما كنت أخاف من الخطأ أمامه وربما كان ذلك أول درس غير مكتوب في معنى المسؤولية

وحين قادتني الحياة إلى الطيران، بدأت أفهم المدرسة بطريقة مختلفة. في قمرة القيادة يُؤتمن الطيار على أرواح وفي الصف يُؤتمن المعلّم على عقول، الطيار يعبر بركابه فضاءً مجهولًا والمعلّم يعبر بطلابه زمنًا لم يولد بعد. وكلاهما يعرف أن الخطأ الصغير قد يتجاوز لحظته وأن الأمانة لا تُقاس بعدد الساعات التي قضاها الإنسان في عمله، بل بما أوصله سالمًا إلى النهاية

لكن المفارقة أن الطيار لا يُسمح له بقيادة طائرة قبل تدريب صارم وأدوات متكاملة وفحوص مستمرة، بينما نطلب من المعلّم في كثير من مجتمعاتنا العربية أن يبني إنسانًا كاملًا في صف مزدحم ومنهج مثقل وظروف لا تليق بحجم المهمة، ثم نسأله عن أسباب تراجع التعليم

المشكلة إذن ليست في المعلّم وحده، بل في نظرتنا إليه، لقد تغيّرت المدرسة، جاءت الشاشات والمنصات والذكاء الاصطناعي وأصبح الطالب يحمل في هاتفه من المعلومات ما لم يكن متاحًا لأجيال كاملة، لكن وفرة المعلومات لم تقلل قيمة المعلّم، بل جعلت مهمته أكثر تعقيدًا، ففي الماضي كان يمنح الطالب المعلومة، أما اليوم فعليه أن يعلّمه كيف يشك وكيف يختار وكيف يفرّق بين الحقيقة والضجيج وهنا يلتقي التعليم بالطيران مرة أخرى، فالطائرة الحديثة قد تطير بأنظمة آلية متقدمة، لكن اللحظة الحرجة تحتاج إلى إنسان مدرّب يعرف متى يثق بالآلة ومتى يتدخل وكذلك التعليم، لا شاشة ترى الخوف في عيني طفل ولا خوارزمية تكتشف دائمًا موهبة خجولة ولا جهاز يعرف متى يحتاج الطالب إلى جملة واحدة فقط. أنت تستطيع

ومع العمر فهمت أيضًا أن بعض المهن لا تتقاعد حقًا. الطيار قد يهبط بطائرته الأخيرة، لكن السماء تبقى فيه والمعلّم قد يغادر صفه الأخير، لكن صوته يبقى في ذاكرة طلابه

لقد نسينا كثيرًا من الدروس، لكننا لم ننسَ من علّمونا إياها ولهذا فإن مستقبل التعليم العربي لا يبدأ من المبنى ولا من المنهج ولا من الشاشة، بل من مكانة المعلّم في المجتمع فحين نُضعف المعلّم لا نخسر حصة دراسية فقط، بل نضعف الإنسان الذي سيقود مستقبلنا

وفي الطيران، إذا فقد الناس الثقة بمن في قمرة القيادة أصبحت الرحلة كلها مهددة وفي التعليم، إذا فقد المجتمع احترامه للمعلّم، فقد بدأ الهبوط قبل أن تقلع الأمة أصلًا

Previous
Previous

من نيويورك إلى عمّان… حين يُقاس أمين المدينة بما يراه المواطن

Next
Next

البيمارستان… حين كان الطب أقرب إلى الرحمة