أبوظبي: حين يصبح العمل تجربة حياة
خاطرة صباحية
تبدأ بعض المحطات في حياة الإنسان بوصفها انتقالًا مهنيًا، لكنها سرعان ما تتحول إلى تجربة إنسانية أعمق مما توقع
حين انتقلت إلى أبوظبي للعمل في شركة مسافر الخليج، التي كانت النواة الأولى لما أصبح لاحقًا الاتحاد للطيران، لم أدرك أنني لا أبدأ وظيفة جديدة فحسب، بل أدخل فصلًا مختلفًا من حياتي
هناك، بين قمرة القيادة ومدارج المطارات، وبين مدينة تنبض بالحياة، بدأت أكتشف أن بعض الأماكن لا تمنحك العمل فقط… بل تمنحك معنى جديدًا للرحلة
خاطرة مسائية
في هدوء المساء، حين أستعيد تلك السنوات الثلاث التي قضيتها في أبوظبي، أشعر أنها لم تكن مجرد مرحلة مهنية، بل كانت تجربة إنسانية ثرية تركت أثرًا عميقًا في داخلي. كان العمل في الطيران دائمًا يتطلب أعلى درجات الانضباط والتركيز، فقمرة القيادة عالم لا يحتمل الخطأ، ومسؤولية الطيار فيه تتجاوز حدود المهنة لتصبح أمانة في السماء. ومع كل رحلة كنت أقوم بها، كنت أكتشف أن الطيران لا يربط المدن ببعضها فقط، بل يربط الإنسان بعالم أوسع من التجارب والمعاني
ومع ذلك، كانت اللحظة الأجمل في كل رحلة هي العودة إلى أبوظبي. تلك المدينة التي تحمل مزيجًا فريدًا من الأصالة والحداثة، حيث يلتقي الماضي بالحاضر في تناغم نادر. لم تكن أبوظبي مجرد مكان للعمل، بل كانت بيتًا ثانيًا يمنح الإنسان شعورًا بالراحة والانتماء. شعبها يستقبل الغريب وكأنه فرد من العائلة، بابتسامة صادقة وكرم طبيعي يعكس عمق الثقافة العربية
في مجالسها وأسواقها وشوارعها الهادئة كنت ألمس روح الضيافة العربية الأصيلة. وفي الوقت نفسه كنت أرى مدينة تنظر بثقة نحو المستقبل، حيث تقف الحصون القديمة جنبًا إلى جنب مع الأبراج الحديثة، وكأن التاريخ والحاضر يتحاوران في صمت جميل
أما دبي، فكانت عالمًا آخر من الحيوية والإبداع. كل زيارة لها كانت تكشف جانبًا جديدًا من الحلم الإماراتي. مدينة لا تنام، تتسابق فيها الأفكار لتتحول إلى إنجازات ملموسة. من الأبراج الشاهقة إلى المراكز التجارية العملاقة، ومن الفعاليات العالمية إلى التنوع الثقافي، كانت دبي صورة واضحة لطموح لا يعرف الحدود
لكن خلف هذا الإبهار العمراني، كنت أرى شيئًا أعمق: روح شعب استطاع خلال عقود قليلة أن يصنع نموذجًا حضاريًا مميزًا. شعب حافظ على جذوره وتقاليده، وفي الوقت نفسه فتح أبوابه للعالم بكل ثقة ومرونة
وعندما أنظر اليوم إلى تلك السنوات، أدرك أنها لم تكن مجرد فترة عمل في دولة أخرى. كانت مدرسة للحياة. تعلمت فيها أن التقدم الحقيقي لا يعني التخلي عن الجذور، وأن الطموح يمكن أن يسير جنبًا إلى جنب مع التواضع
لقد غادرت الإمارات بعد ثلاث سنوات، لكن ما بقي في داخلي لم يكن مجرد ذكريات سفر أو عمل. بقيت الدروس الإنسانية، والصداقات، والشعور العميق بالامتنان لتجربة علمتني أن بعض الأماكن لا تمر في حياتنا كمدن نزورها
بل تتحول إلى جزء من قصتنا، وإلى محطة تبقى مضيئة في ذاكرة الرحلة