حين تُهزم الحقيقة باللغة قبل أن تُهزم على الأرض

ليست أخطر الحروب تلك التي تهدم المدن فحسب، بل تلك التي تنجح بعد الهدم في إقناع العالم بأن الركام صار جزءًا طبيعيًا من المشهد. من هذه الزاوية يمكن قراءة كلمة الملك عبد الله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة. فهي لم تكن مجرد عرض جديد لصراع قديم، بل مساءلة لعالم يعرف الوقائع، ويرى صورها، ويقرأ تقاريرها، ثم يكتسب مع الزمن قدرة مخيفة على الاعتياد عليها

وهنا تبدأ المسألة من اللغة

فالملك توقف عند الطريقة التي يمكن بها للمصطلح أن يخفف وقع الفعل. هدم البيوت قد يُقدَّم باعتباره "إنفاذًا للقانون"، والاستيلاء على الأرض قد يُسمّى "تسجيلًا"، والحواجز التي تقطع حياة الفلسطينيين قد توصف بأنها "بنية أمنية"، فيما يُختزل عنف المستوطنين أحيانًا في عبارات توحي بأنه اضطراب عابر. وقد كانت عبارته شديدة الوضوح: حين تُطهَّر اللغة، تصبح الأفعال قابلة للتطبيع

لكن خلف كل مصطلح إنسانًا. البيت المهدوم ليس ملفًا قانونيًا، إنه طفل يبحث عن غرفته بين الحجارة. والأرض المصادرة ليست بندًا إداريًا، إنها فلاح فقد مورد رزقه وذاكرة أبيه. والحاجز ليس نقطة على الخريطة، إنه مريض ينتظر المرور، وطالب يتأخر عن مدرسته، وعامل تنقص من عمره ساعات لا تسجلها الإحصاءات

وهذا هو جوهر المسألة: من يملك اسم الفعل، يملك جزءًا من حكم العالم عليه

ثم تأتي غزة والضفة

رفض الملك النظر إليهما بوصفهما قصتين منفصلتين. ففي غزة، حذر من تغيير الواقع عبر التدمير وحصر الفلسطينيين في مساحة أضيق، وفي الضفة، وصف عملية مختلفة في أدواتها لكنها متصلة في أثرها. استيلاء على الأرض، توسع استيطاني، عنف، وضم فعلي. وخلص إلى أن النتيجة التي يخشاها واحدة: جعل قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة أمرًا مستحيلًا

قد ترى السياسة خريطتين، لكن الإنسان لا يعيش الخرائط بهذه الطريقة. الأم التي فقدت ولدها في غزة، والفلاح الذي أُبعد عن أرضه في الضفة، لا يحتاجان إلى درس في الجغرافيا السياسية كي يعرفا أن الخسارة واحدة في معناها الإنساني. وفي هذا السياق، تصبح كلمة "التهجير" أكبر من انتقال جسد من مكان إلى آخر

الإنسان حين يُجبر على مغادرة أرضه لا يغيّر عنوانه فقط. إنه يفقد الطريق الذي حفظته قدماه، وقبر أبيه، وشجرة عرف ظلها، والنافذة التي اعتاد منها ضوء الصباح. ولهذا وصف الملك ما يحدث بأنه "تهجير قسري"، لا سلسلة حوادث منفصلة

ثم طرح السؤال الذي يتجاوز فلسطين نفسها: ما قيمة القانون الدولي إذا كان من الممكن تجاهل انتهاكاته عقودًا؟

وهنا يصبح الامتحان عالميًا. فالقانون لا يثبت قيمته حين يطبَّق على من لا قدرة لهم على مقاومته، بل حين يظل قانونًا أمام من يملك القوة والنفوذ. فإذا اختلف ميزانه باختلاف هوية من يقف عليه، فقد يتحول من قاعدة للعدالة إلى لغة أخرى من لغات السلطة

ولعل أخطر ما حملته الكلمة لم يكن توصيف الانتهاكات ذاتها، بل التحذير من تحول الاستثناء إلى عادة. فما وُصف طويلًا بأنه مؤقت يمكن، إذا طال الصمت عليه، أن يصبح واقعًا، وما يصبح واقعًا قد يُعاد تقديمه لاحقًا على أنه أمر لا يمكن تغييره

وهنا تقع الموعظة التي تتجاوز هذه الحرب وكل حرب: الظلم لا يحتاج دائمًا إلى أن يُقنع العالم بأنه عدل، يكفيه أحيانًا أن يبقى طويلًا حتى يتعب العالم من الاعتراض عليه

فالخطر لا يبدأ حين يُهدم البيت وحده. يبدأ حين يرى العالم البيت مهدومًا للمرة المئة، فلا يعود يسأل: من هدمه؟ بل يمرّ أمامه كما يمرّ أمام مشهد اعتاد رؤيته. وحين تموت الدهشة أمام الظلم، تكون العدالة قد فقدت أول حراسها

Previous
Previous

When Truth Is Defeated by Language Before It Is Defeated on the Ground

Next
Next

الجرح الذي لم يُعطّل واجبه