الجرح الذي لم يُعطّل واجبه

حكاية من سيرة والدي، اللواء محمد علي الأمين، عن رجلٍ كان يرى في خدمة الوطن أمانةً لا تنتهي بانتهاء ساعات العمل، وفي حماية أسرته مسؤوليةً أخرى يحملها بصمت

في بداية ثمانينيات القرن الماضي، حين كان والدي، محمد علي الأمين، يحمل رتبة لواء في مديرية الأمن العام الأردني، عشت معه موقفًا لم أدرك عمقه الإنساني إلا بعد مرور السنين. واليوم، بعد سبعة عشر عامًا على رحيله، أستعيد ذلك الموقف فأجد فيه صورةً لرجلٍ لم يكن يفصل بين ضميره وواجبه، حتى غدا العمل جزءًا من تكوينه، لا مجرد منصبٍ يشغله أو رتبةٍ يحملها على كتفيه

كان والدي قد شُخّص بوجود كيسين شعريين في ظهره، وتقرّر إجراء عملية جراحية لاستئصالهما. وفي صباح اليوم المحدّد، استيقظ كعادته، وارتدى بزته العسكرية، وغادر المنزل دون أن يخبر أمي بما ينتظره. لم يكن في ذلك الصباح ما يثير التساؤل، فقد خرج كما يفعل كل يوم، غير أن وجهته لم تكن مكتبه في مديرية الأمن العام، بل الخدمات الطبية، حيث كان على موعدٍ مع غرفة العمليات

أُجريت له الجراحة، وأوصاه الأطباء بالراحة لمدة خمسة أيام، وألّا ينام على ظهره حتى يلتئم الجرح. لكنه، بعد انتهاء العملية، ارتدى بزته العسكرية وتوجّه مباشرةً إلى مكتبه، حيث استأنف متابعة أعماله ومسؤولياته. كان جسده يحتاج إلى الراحة، بينما ظلّ ذهنه مشغولًا بواجباتٍ اعتاد أن يمنحها من وقته وجهده دون أن ينتظر ثناءً أو تقديرًا. ولم يكن في ذلك اعتقادٌ بأن العمل سيتوقف بغيابه، وإنما ارتباطٌ عميق بمسؤوليةٍ أصبحت جزءًا من حياته، وإن كان الوفاء بها يومئذٍ قد جاء على حساب حاجته إلى التعافي

وأتخيّله جالسًا خلف مكتبه، يتابع الملفات والمعاملات، بينما يحمل تحت بزته العسكرية جرحًا حديثًا. ولعلّ المفارقة في ذلك المشهد أن الرجل الذي أمضى حياته في خدمة أمن الآخرين وطمأنينتهم، كان يؤجّل الاهتمام براحة جسده، وكأن المسؤولية العامة قد أصبحت في وجدانه أكثر إلحاحًا من حاجته الشخصية

بقي والدي في مكتبه حتى قرابة الساعة السابعة مساءً، متجاوزًا موعد عودته المعتاد إلى المنزل، الذي كان يقارب السادسة. وحين انتهى من عمله، عاد إلى البيت دون أن يعلم أحدٌ من أفراد الأسرة أنه خضع في ذلك الصباح لعملية جراحية. احتفظ بالأمر لنفسه، معتقدًا أن بعض الأوجاع يمكن احتمالها دون أن تتحوّل إلى مصدر قلقٍ لمن نحب

وفي صباح اليوم التالي، نهض كعادته، وارتدى بزته العسكرية، وغادر المنزل متجهًا إلى مديرية الأمن العام، حيث أمضى يومه في أداء واجباته حتى المساء، رغم أن الجرح في ظهره كان لا يزال يحتاج إلى الراحة والعناية

وفي اليوم الثالث، قرابة الظهر، تلقت أمي اتصالًا هاتفيًّا من أم نبيل، زوجة المرحوم اللواء كمال قاقيش، تسأل فيه عن صحة والدي، وتخبرها بأنها علمت من زوجها بإجراء عملية جراحية في ظهره. فوجئت أمي بالخبر، وأبدت استغرابها، فلم يكن والدي قد أخبرها بشيءٍ مما حدث

وحين عاد مساءً، واستلقى على بطنه ليستريح، سألته عن سبب استلقائه بهذه الطريقة خلال الأيام الماضية، ثم أخبرته بأنها علمت بأمر العملية من أم نبيل. لم يُطل الحديث، واكتفى بالقول إنها عملية بسيطة، وإنه لم يشأ إخبارها حتى لا يقلقها

كانت إجابته تعبيرًا عن جانبٍ آخر من شخصيته، فقد كان يعتقد أن حماية أسرته تعني ألّا يحمل إليها ما يثقله من متاعب، غير أن أمي كانت ترى في مشاركته ألمه امتدادًا طبيعيًّا لحياةٍ جمعتهما. وبين رغبته في تجنيبها القلق وحقّها في الوقوف إلى جانبه، تتجلّى مفارقةٌ إنسانية عميقة. قد نحاول حماية من نحب بإخفاء وجعنا، فنحرمه دون قصد من ممارسة محبته لنا

واليوم، حين أتأمل ذلك الموقف، لا أرى فيه مجرد رجلٍ عاد إلى عمله بعد عملية جراحية، بل أرى إنسانًا تشكّلت علاقته بالواجب حتى أصبحت جزءًا من هويته. ومع ذلك، علّمتني السنوات أن الإخلاص لا يُقاس بمقدار ما نحتمله من ألم، وأن الراحة ليست نقيضًا للمسؤولية، بل ضرورةٌ لاستمرارها. فالجسد الذي نستنزفه اليوم هو ذاته الذي نحتاج إليه غدًا لنواصل العطاء، والحكمة أن نعرف متى نمضي ومتى نتوقف، دون أن نشعر بأن التوقف خيانةٌ لما نؤمن به

لقد أحببت أن أضمّن هذا الموقف في كتابي "بعد الرحيل"، لأنه يكشف من سيرة والدي ما لا تستطيع الوثائق الرسمية أن ترويه. فالرتب والمناصب تحفظ موقع الإنسان في مؤسسات الدولة، أما المواقف الصغيرة فتحفظ صورته في ذاكرة من أحبّوه، وتكشف كيف كان يعيش قيمه بعيدًا عن الأضواء

رحمك الله يا أبي، لقد مضت سبعة عشر عامًا على رحيلك، وما زلت أكتشف في حكاياتك معاني لم أكن أدركها يوم كنت بيننا. لقد تركت لنا درسًا في الوفاء للعمل، وآخر في المحبة التي تخشى على الآخرين أكثر مما تخشى على نفسها، وثالثًا في ضرورة أن نوازن بين حقّ الواجب وحقّ الحياة

لقد التأم جرح ظهرك يومها، يا أبي، لكنّ أثر ذلك الموقف بقي في وجداني؛، يذكّرني بأن الإنسان لا يخلّد اسمه بما حمله من رتبٍ ومناصب، بل بما تركه من قيمٍ تواصل العيش في ضمائر أبنائه. فتلك هي الحياة الثانية التي لا يمنحها الزمن إلا لمن تركوا بعد رحيلهم ما يستحق أن يبقى

Next
Next

حين عاد محافظ العاصمة حافي القدمين