عيد أضحى مبارك

خاطرة صباحية
يأتي العيد صباحًا خفيفًا على التقويم، ثقيلًا على المعنى. نُكبّر بأصواتٍ عالية، فيما تتعثّر الأرواح تحت وطأة وطنٍ لم يجد بعدُ صيغة سلامه مع نفسه. نرتدي الفرح كواجبٍ اجتماعي، ونُخفي تحته أسئلةً مؤجَّلة عن جدوى الاحتفال حين يكون الجرح أوسع من الابتسامة

خاطرة مسائية
حين يحلّ المساء، يتبدّى العيد كمرآةٍ كاشفة لا كمناسبة. تتشابه الخرائط في وجعها، وتختلف الأسماء، لكن المعنى واحد: فرحٌ مؤقّت يحاول أن يقاوم تاريخًا من الانكسار. العيد، في جوهره، ليس طقسًا للزينة بل تمرينًا على المصالحة؛ مصالحة الإنسان مع ضميره، والجماعة مع ذاكرتها. غير أن أوطانًا أُنهكت بالصراع لا تُتقن هذا التمرين؛ فتحتفل كما يحتفل الغريق بذكرى اليابسة. نذبح الأضاحي بينما تبقى الأسئلة حيّة: ما الذي نُضحّي به حقًا؟ أهو ما يؤلمنا أم ما يسهل التخلّي عنه؟ تتقدّم السياسة بخطابها، ويتراجع الفكر عن مهمته، فنقايض المبدأ بالتصريح، والواقع بالشعار، ونحسب الصمت حكمة. في هذا المساء، يتّضح أن نكبتنا أسبق من السلاح؛ إنها نكبة معنى، حين تُستبدل التضحية بالرمز، والوفاء بالطقس. الوطن—بوصفه حالة إيمانٍ مشتركة—لا يُذبح ولا يُستبدل؛ هو ذاكرةٌ تتشارك الألم وتختبر الصدق. فإذا كان العيد وعدًا، فليس وعد الفرح السريع، بل وعد القدرة على تحويل التكبير من صدى حزين إلى بداية وعيٍ جديد، يرى في الأمل فعلًا لا شعارًا، وفي الانتماء مسؤولية لا نشيدًا موسميًا 

Osama Shakman

Forty years in the sky were not merely a profession, but a long meditation on the meaning of existence. Borders drawn on maps dissolve, and the world becomes a single, living whole, where everything seems small except the human being.

In that altitude, I learned to observe and to understand before I judge, to see turbulence as part of a greater order not immediately visible to the eye. The sky was my first teacher: its vastness teaches humility, and its silence awakens the art of listening.

Today, I exchange the cockpit for the pen—not to recount a professional biography nor to stand on a political platform, but to open a window for reflection. What I write is not borrowed theory, but thoughts born of lived experience—of long flight hours and quiet moments between takeoff and landing.

This space is simply a free ground for thought, where words are kept from noise and the human story is honored, however simple it may seem. For every life, no matter how fleeting, carries a meaning worth telling and a voice worth hearing.

Welcome to a new journey—one measured not in miles, but in depth of thought and breadth of vision.

٤٠ عاما في السماء، عمر من المراقبة

أربعون عامًا في السماء لم تكن مجرد مهنة، بل تأمّلًا طويلًا في معنى الوجود. تتلاشى الحدود التي رسمناها على الخرائط، ويغدو العالم كتلةً واحدة نابضة بالحياة، حيث يصغر كل شيء إلا الإنسان.

في ذلك العلوّ تعلّمت أن أراقب وأفهم قبل أن أحكم، وأن أرى الاضطراب جزءًا من نظامٍ أكبر لا تدركه العين لأول وهلة. كانت السماء معلمي الأول: اتساعها يعلّم التواضع، وصمتها يوقظ الإصغاء.

واليوم أستبدل قمرة القيادة بالقلم، لا لأروي سيرةً مهنية ولا لأعتلي منبرًا سياسيًا، بل لأفتح نافذةً للتأمل. ما أكتبه ليس نظرياتٍ مستعارة، بل أفكار وُلدت من التجربة، من ساعات الطيران الطويلة ولحظات التأمل بين الإقلاع والهبوط.

هذا الفضاء مساحةٌ حرة للفكر، تُصان فيها الكلمة من الضجيج، ويُحتفى بالقصة الإنسانية مهما بدت بسيطة. فكل حياة، وإن بدت عابرة، تحمل معنى يستحق أن يُروى وصوتًا يستحق أن يُصغى إليه.

مرحبًا بكم في رحلةٍ لا تُقاس بالأميال، بل بعمق الفكرة واتساع الرؤية.

Previous
Previous

تمخّض الجبل فولد فأرًا

Next
Next

إخوة يوسف