تمخّض الجبل فولد فأرًا

خاطرة صباحية
تُعلَن القرارات كما تُعلَن الأحلام… بصوتٍ عالٍ ونتائج هامسة
ثلاثون دينارًا تُضاف إلى راتبٍ أنهكته الأيام، فيبتسم العامل للخبر، ثم يحسب في صمت: كم من الاحتياجات تؤجَّل، وكم من الكرامة تُقايَض، حين يصبح الغلاء أسبق من الأجر بخطوتين؟

خاطرة مسائية
في مساءٍ أردنيٍّ تتداخل فيه الأرقام مع الوجوه، يُقال إن الحد الأدنى للأجور ارتفع. ومثل كل مرة، يولد الفرح قصيرَ العمر؛ وميضٌ سريع في عيونٍ أتعبتها الفواتير قبل أن يتعبها العمل. هنا يستحضر المثل القديم—تمخّض الجبل فولد فأرًا—لا بوصفه سخرية لغوية، بل تشخيصًا فلسفيًا لقرارات تُقدَّم كثورات، ثم تُنجب أثرًا هزيلًا. الجبل هو الوعود العريضة، والفأر هو النتيجة حين تُدار السياسة بمنطق الاحتواء لا الحلّ
الاقتصاد، حين يُختزل إلى جداول، ينسى أن الأجر ليس رقمًا بل معنى. ثلاثون دينارًا لا تغيّر نمط العيش، لكنها تغيّر إحساس العامل بمكانته: تُعلن اعترافًا ناقصًا، وتُراكم خيبة كاملة. فرفع الأجر دون رفع القدرة الشرائية، ودون كبحٍ جادّ للأسعار، يشبه إضافة سطرٍ جميل إلى قصةٍ حزينة لا تتغيّر نهايتها. العامل الذي يغادر بيته قبل الفجر ويعود عند الغروب لا يطلب منّة، بل عقدًا أخلاقيًا يرى فيه شريكًا لا بندًا. الكرامة ليست بندًا في الموازنة، بل شرطًا للانتماء؛ وحين يُجبر الإنسان على وظيفتين ليضمن البقاء، تكون العدالة قد غابت عن تعريف الدولة لنفسها
البديل ليس شعارًا جديدًا، بل اقتصادًا أخلاقيًا يعيد ترتيب الأولويات: أجرٌ يُقاس بما يشتريه لا بما يُعلَن عنه، سياسات دخلٍ تتكامل مع ضبط أسعارٍ وحمايةٍ اجتماعية، وحوارٌ صادق يرى في العمل قيمةً وفي العامل مواطنًا. قد يكون “الفأر” إشارة إنذار، لا نهاية الحكاية؛ شرارة تُذكّر بأن الجبال لا تُقاس بارتفاع الصوت، بل بقدرتها على أن تُنجب تغييرًا يُعاش

Osama Shakman

Forty years in the sky were not merely a profession, but a long meditation on the meaning of existence. Borders drawn on maps dissolve, and the world becomes a single, living whole, where everything seems small except the human being.

In that altitude, I learned to observe and to understand before I judge, to see turbulence as part of a greater order not immediately visible to the eye. The sky was my first teacher: its vastness teaches humility, and its silence awakens the art of listening.

Today, I exchange the cockpit for the pen—not to recount a professional biography nor to stand on a political platform, but to open a window for reflection. What I write is not borrowed theory, but thoughts born of lived experience—of long flight hours and quiet moments between takeoff and landing.

This space is simply a free ground for thought, where words are kept from noise and the human story is honored, however simple it may seem. For every life, no matter how fleeting, carries a meaning worth telling and a voice worth hearing.

Welcome to a new journey—one measured not in miles, but in depth of thought and breadth of vision.

٤٠ عاما في السماء، عمر من المراقبة

أربعون عامًا في السماء لم تكن مجرد مهنة، بل تأمّلًا طويلًا في معنى الوجود. تتلاشى الحدود التي رسمناها على الخرائط، ويغدو العالم كتلةً واحدة نابضة بالحياة، حيث يصغر كل شيء إلا الإنسان.

في ذلك العلوّ تعلّمت أن أراقب وأفهم قبل أن أحكم، وأن أرى الاضطراب جزءًا من نظامٍ أكبر لا تدركه العين لأول وهلة. كانت السماء معلمي الأول: اتساعها يعلّم التواضع، وصمتها يوقظ الإصغاء.

واليوم أستبدل قمرة القيادة بالقلم، لا لأروي سيرةً مهنية ولا لأعتلي منبرًا سياسيًا، بل لأفتح نافذةً للتأمل. ما أكتبه ليس نظرياتٍ مستعارة، بل أفكار وُلدت من التجربة، من ساعات الطيران الطويلة ولحظات التأمل بين الإقلاع والهبوط.

هذا الفضاء مساحةٌ حرة للفكر، تُصان فيها الكلمة من الضجيج، ويُحتفى بالقصة الإنسانية مهما بدت بسيطة. فكل حياة، وإن بدت عابرة، تحمل معنى يستحق أن يُروى وصوتًا يستحق أن يُصغى إليه.

مرحبًا بكم في رحلةٍ لا تُقاس بالأميال، بل بعمق الفكرة واتساع الرؤية.

Previous
Previous

العرب والإبداع

Next
Next

عيد أضحى مبارك