تمخّض الجبل فولد فأرًا
خاطرة صباحية
تُعلَن القرارات كما تُعلَن الأحلام… بصوتٍ عالٍ ونتائج هامسة
ثلاثون دينارًا تُضاف إلى راتبٍ أنهكته الأيام، فيبتسم العامل للخبر، ثم يحسب في صمت: كم من الاحتياجات تؤجَّل، وكم من الكرامة تُقايَض، حين يصبح الغلاء أسبق من الأجر بخطوتين؟
خاطرة مسائية
في مساءٍ أردنيٍّ تتداخل فيه الأرقام مع الوجوه، يُقال إن الحد الأدنى للأجور ارتفع. ومثل كل مرة، يولد الفرح قصيرَ العمر؛ وميضٌ سريع في عيونٍ أتعبتها الفواتير قبل أن يتعبها العمل. هنا يستحضر المثل القديم—تمخّض الجبل فولد فأرًا—لا بوصفه سخرية لغوية، بل تشخيصًا فلسفيًا لقرارات تُقدَّم كثورات، ثم تُنجب أثرًا هزيلًا. الجبل هو الوعود العريضة، والفأر هو النتيجة حين تُدار السياسة بمنطق الاحتواء لا الحلّ
الاقتصاد، حين يُختزل إلى جداول، ينسى أن الأجر ليس رقمًا بل معنى. ثلاثون دينارًا لا تغيّر نمط العيش، لكنها تغيّر إحساس العامل بمكانته: تُعلن اعترافًا ناقصًا، وتُراكم خيبة كاملة. فرفع الأجر دون رفع القدرة الشرائية، ودون كبحٍ جادّ للأسعار، يشبه إضافة سطرٍ جميل إلى قصةٍ حزينة لا تتغيّر نهايتها. العامل الذي يغادر بيته قبل الفجر ويعود عند الغروب لا يطلب منّة، بل عقدًا أخلاقيًا يرى فيه شريكًا لا بندًا. الكرامة ليست بندًا في الموازنة، بل شرطًا للانتماء؛ وحين يُجبر الإنسان على وظيفتين ليضمن البقاء، تكون العدالة قد غابت عن تعريف الدولة لنفسها
البديل ليس شعارًا جديدًا، بل اقتصادًا أخلاقيًا يعيد ترتيب الأولويات: أجرٌ يُقاس بما يشتريه لا بما يُعلَن عنه، سياسات دخلٍ تتكامل مع ضبط أسعارٍ وحمايةٍ اجتماعية، وحوارٌ صادق يرى في العمل قيمةً وفي العامل مواطنًا. قد يكون “الفأر” إشارة إنذار، لا نهاية الحكاية؛ شرارة تُذكّر بأن الجبال لا تُقاس بارتفاع الصوت، بل بقدرتها على أن تُنجب تغييرًا يُعاش