العرب والإبداع

خاطرة صباحية
كلُّ حضارةٍ تبدأ بشرارةٍ في عقلٍ حرّ، وتخبو حين يتحوّل الخوف إلى حارسٍ على بوابة الفكر. الإبداع العربيّ لم يختفِ، لكنه أُجبر على الصمت؛ محاصرٌ بالبيروقراطية، ومقيّد بالتابوهات، ومؤجَّل بحجج الواقعية. هناك، في عمق هذا الصمت، ينتظر العقل لحظة الانفجار الجميل: أن يُسمَح له بالسؤال دون ريبة، وبالتجربة دون عقاب

خاطرة مسائية
في مساءٍ عربيٍّ طويل، تتراكم فيه الخيبات كما تتراكم الأسئلة، يطفو سؤال النهضة بوصفه جمرًا تحت الرماد: لماذا خبت شعلة أضاءت العالم قرونًا؟ ليست المشكلة في غياب العقول ولا في فقر الموارد، بل في بيئةٍ تخشى المختلف، وتكافئ المطيع، وتخلط بين الاستقرار والسكون. حين تُقصى العدالة، يصبح الإبداع مخاطرة، وتغدو الفكرة تهمة، ويُختزل التعليم في الحفظ بدل أن يكون تدريبًا على الاكتشاف. الحضارة، فلسفيًا، لا تُبنى بتكديس الثروات بل بإرادة جماعية ترى المستقبل مشروعًا لا تهديدًا. الإبداع لا يُستورد؛ يُزرع في مدرسةٍ تُعلّم السؤال، ويُروى بحرية فكرٍ تحمي الخطأ بوصفه طريقًا للمعرفة، ويثمر حين تجد الدولة في المبدع شريكًا لا رقيبًا. وعندما نُدرك أن الإبداع ليس ترفًا ثقافيًا بل شرط وجود، نكون قد وضعنا أقدامنا على عتبة استعادة مجدٍ لم يمت—بل ينتظر من يوقظه بثقةٍ وشجاعة

 

 

 

Osama Shakman

Forty years in the sky were not merely a profession, but a long meditation on the meaning of existence. Borders drawn on maps dissolve, and the world becomes a single, living whole, where everything seems small except the human being.

In that altitude, I learned to observe and to understand before I judge, to see turbulence as part of a greater order not immediately visible to the eye. The sky was my first teacher: its vastness teaches humility, and its silence awakens the art of listening.

Today, I exchange the cockpit for the pen—not to recount a professional biography nor to stand on a political platform, but to open a window for reflection. What I write is not borrowed theory, but thoughts born of lived experience—of long flight hours and quiet moments between takeoff and landing.

This space is simply a free ground for thought, where words are kept from noise and the human story is honored, however simple it may seem. For every life, no matter how fleeting, carries a meaning worth telling and a voice worth hearing.

Welcome to a new journey—one measured not in miles, but in depth of thought and breadth of vision.

٤٠ عاما في السماء، عمر من المراقبة

أربعون عامًا في السماء لم تكن مجرد مهنة، بل تأمّلًا طويلًا في معنى الوجود. تتلاشى الحدود التي رسمناها على الخرائط، ويغدو العالم كتلةً واحدة نابضة بالحياة، حيث يصغر كل شيء إلا الإنسان.

في ذلك العلوّ تعلّمت أن أراقب وأفهم قبل أن أحكم، وأن أرى الاضطراب جزءًا من نظامٍ أكبر لا تدركه العين لأول وهلة. كانت السماء معلمي الأول: اتساعها يعلّم التواضع، وصمتها يوقظ الإصغاء.

واليوم أستبدل قمرة القيادة بالقلم، لا لأروي سيرةً مهنية ولا لأعتلي منبرًا سياسيًا، بل لأفتح نافذةً للتأمل. ما أكتبه ليس نظرياتٍ مستعارة، بل أفكار وُلدت من التجربة، من ساعات الطيران الطويلة ولحظات التأمل بين الإقلاع والهبوط.

هذا الفضاء مساحةٌ حرة للفكر، تُصان فيها الكلمة من الضجيج، ويُحتفى بالقصة الإنسانية مهما بدت بسيطة. فكل حياة، وإن بدت عابرة، تحمل معنى يستحق أن يُروى وصوتًا يستحق أن يُصغى إليه.

مرحبًا بكم في رحلةٍ لا تُقاس بالأميال، بل بعمق الفكرة واتساع الرؤية.

Previous
Previous

قانون العفو العام في الأردن

Next
Next

تمخّض الجبل فولد فأرًا