الحرب والسلام - الكتاب الذي اشتريتُه من نيويورك وغيّر معنى الرحلة
كان ذلك في تسعينيات القرن الماضي، وكنت ما أزال أعيش حياتي بين المطارات والسماء، لم يكن التقاعد قد اقترب بعد، وكانت الرحلات تأخذني من مدينة إلى أخرى حتى صارت المطارات جزءًا من إيقاع يومي، وصارت الغيوم رفيقة مألوفة، وإن بقي في داخلي شيء لا يملّ النظر إليها
في إحدى رحلاتي إلى نيويورك خرجت أمشي في المدينة بلا مقصد محدد. كانت نيويورك كما عرفتها دائمًا، مدينة لا تهدأ، تتقاطع فيها اللغات والوجوه والخطوات، ويخيّل إليك أن العالم كله قد اختار شارعًا واحدًا ليمر منه. دخلت مكتبة، ربما بحثًا عن بعض الصمت أكثر مما كنت أبحث عن كتاب، وهناك وقع بصري على عنوان استوقفني قبل أن أعرف تفاصيله - الحرب والسلام
كان الاسم وحده كافيًا ليجذبني فنحن أبناء منطقة لم تكن الحرب فيها خبرًا بعيدًا، بل جزءًا من الذاكرة السياسية والاجتماعية نشأنا نسمع عن الحروب، ونرى آثارها في الحدود والبيوت والوجوه، وننتظر سلامًا كثيرًا ما يأتي ناقصًا أو مؤجلًا، لذلك بدا لي العنوان كأنه لا يتحدث عن روسيا وحدها، بل عن سؤال عرفناه نحن أيضًا، لماذا يحتاج الإنسان إلى كل هذا الخراب قبل أن يدرك قيمة السلام؟
أخذت الكتاب، وهناك بدأت علاقتي مع ليو تولستوي، الكاتب الروسي الذي وُلد عام 1828 في أسرة أرستقراطية، وعرف حياة النبلاء والجيش والمجتمع الروسي من داخله، ثم أمضى جزءًا كبيرًا من حياته في مساءلة كل ما منحه إياه ذلك العالم، لم يكن روائيًا فحسب، بل مفكرًا أخلاقيًا قلقًا، عاش صراعًا طويلًا مع السلطة والكنيسة والمال ومعنى الإيمان والحياة، ومن هنا جاءت كتاباته قريبة من الإنسان لا من الشعارات، فهو لم يكن يكتب عن البطولة بقدر ما كان يفتش عن الحقيقة المختبئة خلفها
بدأت قراءة "الحرب والسلام" في نيويورك، ثم رافقني الكتاب في الفنادق وبين الرحلات، كنت أقرأ عن الجيوش وهي تعبر الأرض، ثم أعود إلى قمرة القيادة فأعبر السماء بطائرة تحمل مئات البشر. وهناك أخذ سؤال يلاحقني، نحن الذين نمسك بالمقود ونحدد المسار، هل نقود المصائر فعلًا، أم أننا جميعًا جزء من حركة أكبر منا؟
تولستوي هدم في داخلي الصورة التقليدية للتاريخ، لم يعد نابليون ذلك الرجل الذي يصنع الأحداث وحده، ولم تعد الحرب بطولة نظيفة كما تصنعها كتب المنتصرين، رأيت بشرًا يتقدمون ويتراجعون يحبون ويخافون ويموتون، بينما يأتي المؤرخ بعد ذلك ليختصر آلاف المصائر في سهم على خريطة أو تاريخ لمعركة
وأنا، بحكم الطيران، كنت أفهم شيئًا من هذه الفكرة، يعرف الطيار أن الخطة ضرورية، وأن المسار محسوب، لكن الرياح قد تفرض تعديلًا، والغيوم قد تجبرك على الانحراف، والقرار الحقيقي قد يولد في لحظة لم تكن مكتوبة في أي جدول، وربما كان هذا ما يقوله تولستوي عن التاريخ أيضًا، الإنسان يخطط، لكن الحياة تحتفظ بحقها في تغيير الاتجاه
لهذا لم تعد "الحرب والسلام" عندي رواية عن روسيا في القرن التاسع عشر فقط، بل أصبحت كتابًا عن وهم السيطرة، فالحرب تكشف هشاشة الإنسان، والسلام يكشف حاجته إلى معنى أبعد من الانتصار، وما بينهما يقضي البشر أعمارهم وهم يتعلمون، أحيانًا متأخرين، أن القوة تستطيع أن تحرك الجيوش، لكنها لا تستطيع أن تمنح القلب طمأنينته
واليوم وأنا طيار متقاعد، لا أتذكر عند أي بوابة اصطفّت طائرتي يوم وصلت إلى نيويورك، ولا اسم الفندق الذي أقمت فيه، لكنني أتذكر ذلك الكتاب الذي خرج معي من المكتبة، بعض تفاصيل الرحلات يبتلعها الزمن، أما بعض الكتب فتبقى لأنها لا تسافر معنا في الحقيبة فقط، بل تدخل معنا إلى الداخل
وخلاصتي بعد كل هذه السنين أن "الحرب والسلام" لم تعلمني كيف تقع الحروب، بل لماذا يفشل الإنسان في التعلم منها، علمتني أن التاريخ لا تصنعه المدافع وحدها، بل تصنعه مخاوف البشر وطموحاتهم وأوهامهم وقراراتهم الصغيرة، وأن السلام ليس مجرد صمت السلاح، بل لحظة يرتفع فيها وعي الإنسان فوق رغبته في الغلبة
أما الحكمة التي بقيت معي فهي، قد يغيّر الإنسان مساره في السماء ليتجنب عاصفة، لكن الأصعب أن يغيّر مساره في الحياة ليتجنب حربًا، فالطريق إلى السلام لا يبدأ من الخرائط، بل من داخل الإنسان