آنا كارينينا - امرأة قرأتُ حكايتها بين مدينتين

بعد أن فرغت من قراءة "الحرب والسلام" لم يعد اسم تولستوي بالنسبة إليّ اسمًا على غلاف كتاب، بل صار صوتًا ظل يرافقني في الرحلات، بقيت بعض أسئلته في ذهني حتى بعد أن أغلقت الصفحات، من يصنع التاريخ ؟ ما قيمة القوة إذا عجزت عن منح الإنسان الطمأنينة ؟ ولماذا نظن أننا نتحكم في المصائر أكثر مما نتحكم فعلًا ؟

وفي رحلة لاحقة إلى نيويورك، عدت إلى المكتبة نفسها، هذه المرة لم أدخلها مصادفة، ولم أكن أهرب من ضجيج المدينة، كنت أعرف ما أبحث عنه، اتجهت إلى الرفوف أفتش عن اسم ليو تولستوي، كأنني أبحث عن رجل عرفته في رحلة سابقة وأردت أن أواصل الحديث معه، وهناك وجدت - آنا كارينينا

أخذت الكتاب وأنا أحمل توقعات "الحرب والسلام" معي، لكن تولستوي فاجأني، خرج هذه المرة من ساحات الجيوش إلى ساحة أشد تعقيدًا، قلب الإنسان، لم تعد الحرب بين دول، بل بين الرغبة والواجب، بين الحب والمجتمع، وبين ما يريده الإنسان لنفسه وما يريد الآخرون أن يكونه

بدأت أقرأ الرواية بين الرحلات والفنادق، وكنت، كلما تقدمت فيها، أشعر أن القطار الذي يمر في صفحاتها لا يسير على قضبان الحديد وحدها، بل يشق طريقه داخل النفس البشرية، حيث لا توجد إشارات واضحة ولا خرائط دقيقة

آنا لم تكن في نظري قديسة ولا خاطئة بالمعنى السهل كانت إنسانة أخطأت وأحبت وخافت وتمردت ثم دفعت ثمن اختياراتها في مجتمع لم يكن بريئًا بما يكفي ليحاكمها بذلك اليقين

وهنا بدأت الرواية تزعجني، وهذا أجمل ما يفعله الأدب العظيم، الكتاب الذي يؤكد ما نعرفه يريحنا، أما الكتاب الذي يجبرنا على مراجعة أحكامنا فيبقى معنا

كنت أغلق الرواية أحيانًا قبل الرحلة وأصعد إلى قمرة القيادة، ثم أرى الركاب يصعدون واحدًا بعد آخر. لكل واحد منهم جواز سفر وحقيبة ومقعد محدد، لكن لا أحد يحمل على وجهه بيانًا بما يجري في داخله. كنت أفكر، كم إنسانًا يجلس خلفنا الآن ويخوض حربًا لا يعرف عنها أحد شيئًا ؟ كم امرأة تبدو هادئة فيما تعيش انهيارًا داخليًا ؟ وكم رجل يحافظ على هيئة النجاح بينما تتداعى حياته في صمت ؟

علّمتني "آنا كارينينا" أن المجتمع سريع في إصدار الأحكام، بطيء في محاولة الفهم، وأن الناس كثيرًا ما لا يغفرون للآخر ما يجدون لأنفسهم ألف تبرير لفعله بصورة مختلفة.

ولذلك لم أعد أرى الرواية قصة خيانة أو حب محرّم فحسب، رأيتها مواجهة بين الإنسان وحاجته إلى أن يكون محبوبًا، وبين المجتمع وحاجته إلى فرض نظامه، ولو على حساب الرحمة

وكان السؤال الذي ظل يلاحقني، لو عاشت آنا في زمن آخر، هل كان مصيرها سيتغير؟ ربما تغيرت الملابس والقوانين ووسائل الاتصال، لكن الإنسان لم يتخلص بعد من ميله إلى محاكمة حياة غيره من خارجها

أكثر ما آلمني لم يكن النهاية وحدها، بل الوحدة التي سبقتها، فالإنسان لا يموت دائمًا حين يتوقف قلبه، قد يبدأ موته يوم يشعر أن أحدًا لم يعد يسمعه، وأن العالم كله صار قاضيًا ولم يبق فيه شاهد رحمة واحد

واليوم، بعد عقود من تلك القراءة، أرى "آنا كارينينا" بعين مختلفة، في الشباب ننجذب إلى قصة الحب، وفي العمر نرى هشاشة النفس، في الشباب نسأل، لماذا فعلت ؟ وفي العمر نسأل، ماذا كان ينقصها حتى وصلت إلى هناك؟

بعض الروايات لا تتغير، نحن الذين نتغير أمامها، ولهذا حين أتذكر "آنا كارينينا" لا أتذكر امرأة روسية فقط، بل أتذكر نفسي في نيويورك، أعود إلى المكتبة نفسها هذه المرة باحثًا عن تولستوي، ثم أخرج بكتاب جعلني أفهم أن أطول الرحلات ليست بين مدينتين، بل بين الإنسان وما يريده، وبين ما يشعر به وما يستطيع الاعتراف به، وبين قلبه والعالم

وخلاصتي أن "آنا كارينينا" ليست رواية عن سقوط امرأة بقدر ما هي رواية عن هشاشة البشر حين يصبح الحكم أقوى من الرحمة، وعن مجتمع يرى الخطأ ولا يرى الألم الذي سبقه

أما الحكمة التي بقيت معي فهي، لا تتعجل الحكم على إنسان لم تسافر في داخله، فلكل قلب طريق لا يظهر على الخرائط، ولكل صمت حكاية قد تكون أثقل من الكلام

Previous
Previous

الأردن أولًا… حين يصبح الوطن معيارًا لا شعارًا

Next
Next

الحرب والسلام - الكتاب الذي اشتريتُه من نيويورك وغيّر معنى الرحلة