الأردن أولًا… حين يصبح الوطن معيارًا لا شعارًا

نردد كثيرًا عبارة "الأردن أولًا"، لكن السؤال الأهم ليس كم مرة نقولها، بل ماذا تعني حين تلامس الواقع؟ فالشعارات قد تصنع حماسًا عابرًا، أما الدول فتبنيها القرارات الصعبة، والعدالة، والكفاءة، والقدرة على تقديم المصلحة العامة عندما تتعارض مع المصالح الشخصية. الوطن لا يحتاج إلى مزيد من الكلمات بقدر حاجته إلى أن يصبح معيارًا يُقاس به كل قرار

أن يكون الأردن أولًا يعني أن تكون الدولة أقوى من الأفراد، وأن تكون المؤسسات أبقى من المناصب، وأن يكون القانون أعلى من العلاقات. فحين يحتاج المواطن إلى معرفة شخص كي يصل إلى حقه، تتحول المواطنة من حق إلى امتياز، وحين تصبح الواسطة أسرع من القانون، يبدأ الناس بفقدان الثقة لا بالدولة بوصفها وطنًا، بل بقدرة مؤسساتها على تحقيق العدالة

ولعل أخطر ما يمكن أن يصيب أي دولة ليس نقص الموارد، بل سوء استخدامها، وأخطر من هدر المال هدر الإنسان. فكم من عقلٍ كفؤ بقي خارج موقعه لأن الباب فُتح لغيره؟ وكم من شاب حمل مؤهلًا وطموحًا ثم اكتشف أن الطريق لا يُقاس بما يعرف، بل بمن يعرف؟ هنا لا يخسر الفرد وحده، بل يخسر الوطن جزءًا من مستقبله

والمنصب العام، في جوهره، ليس جائزةً لمن وصل إليه، بل اختبارٌ لمن تولاه. المسؤول لا ينبغي أن يُسأل: كم بقي في منصبه؟ بل ماذا تغير بسببه؟ فالدولة الحديثة لا تحتاج إلى إدارة تحافظ على يومها فقط، وإنما إلى عقلٍ يخطط للغد، ويجرؤ على الاعتراف بالخطأ، ويعرف أن تأجيل المشكلة لا يعني حلها

وفي المقابل، لا يجوز للمواطن أن يطالب بدولة مثالية بينما يمارس ما ينتقده فيها. من يرفض المحسوبية يجب ألا يقبلها عندما تخدمه، ومن يطالب بسيادة القانون عليه أن يحترمه في غياب الرقيب، لأن الإصلاح لا يبدأ من المكاتب الحكومية وحدها، بل من ثقافة المجتمع أيضًا

كما أن حب الأردن لا يُقاس بالصمت. فالنقد المسؤول ليس خروجًا على الانتماء، بل هو دفاع عنه. الدول التي تخاف من السؤال تضعف، أما الدول التي تستمع، وتراجع نفسها، وتصحح أخطاءها، فتزداد قوة

لذلك، ربما يجب أن يصبح السؤال قبل كل قرار: هل يخدم هذا الأردن الذي سيعيشه أبناؤنا بعد عشرين عامًا، أم يحل مشكلة شخص أو مرحلة عابرة؟

عندها فقط يصبح "الأردن أولًا" عقدًا بين الدولة والمواطن، لا عبارةً تنتهي بانتهاء الخطاب

Previous
Previous

Jordan First — When a Nation Becomes a Standard, Not a Slogan

Next
Next

آنا كارينينا - امرأة قرأتُ حكايتها بين مدينتين