رهانٌ ضد الريح… وسقوطٌ أنقذني

خاطرة صباحية

في يومٍ مشمس، تحدّاني صديق طيار أن أقلع رغم الرياح المعاكسة العنيفة التي كانت تضرب المطار المحلي. قال مازحًا: «إن أقلعت اليوم، ستكون ملك الريح!» ابتسمت، وارتديت معطفي، ونظرت إلى المدرج وهو يتلوى تحت قبضة الهواء كأفعى هائجة. تقدمت خطوة… ثم سمعت ذلك الصوت الخافت في داخلي—الصوت الذي لا يكذب—يهمس: ليست كل معركة تستحق أن تُخاض

عدت أدراجي، نزعت قبعتي، وضحكت. صافحني الصديق نفسه وقال: «لهذا أنت تطير… ونحن نشاهد.» عندها فهمت أن بعض الرياح لا تهبّ لتُهزم، بل لتذكّرك بأنك ما زلت تعرف كيف تنحني بإرادتك

ليست الحكمة في تحدي كل عاصفة، بل في معرفة أيها يستحق الوقوف أمامه وأيها يُحترم بالصمت. فالشجاعة ليست دائمًا في الإقلاع، بل أحيانًا في البقاء

خاطرة مسائية

وفي مساءٍ آخر من تلك السنوات، تعلّمت درسًا مختلفًا—درسًا علّمني أن السقوط قد يكون نجاة. كنت شابًا ممتلئ الحماسة، أظن أن الأجنحة وحدها تكفي للطيران. أتيحت لي فرصة تجربة طائرة جديدة، لامعة وسريعة، كحلمٍ يخطف العقل. أقلعت، والسماء صافية تمامًا… لكن الغيوم كانت تتكدس داخلي. أردت أن أُبهر الجميع، فحلّقت بأقصى سرعة، ثم أقدمت على مناورة جريئة لم أتقنها بعد. في لحظة خاطفة، مالت الطائرة على جانبها، وفقدت السيطرة، وبدأت تهوي

لم يكن المشهد بطوليًا كما في الأفلام. لا صراخ، لا موسيقى درامية. فقط صمت كثيف، وقلبي يدق كطبول حرب أخيرة. تذكرت نصيحة مدربي القديم: «إن بدأت بالسقوط… لا تقاتل الهواء—صافحه.» خففت قبضتي على عصا القيادة، بهدوء وثبات، وعدت أبحث عن التوازن، كما يعقد المرء صلحًا مع خصم عنيد في أوج المعركة. وبمعجزةٍ بدت كحلم طفل، تمكنت من الهبوط اضطراريًا في حقلٍ جاف على أطراف المدينة

خرجت أمشي في الغبار بابتسامة غريبة—ليست ابتسامة نصر، بل امتنان. امتنان للسقوط الذي أعادني إلى الأرض… وإلى نفسي

في تأمل المساء، أدركت أن السقوط لا يكسرك إن تعلمت كيف تسقط كما يسقط المطر: هادئًا، نقيًا، حاملًا وعدًا بالخصب بعد العاصفة. ليست المشكلة في أن نفشل، بل في أن نقاوم الحقيقة بعنادٍ أعمى. أحيانًا يكون التراجع إنقاذًا، ويكون السقوط عودةً إلى الجذور

الحياة، مثل الطيران، تعلّمنا أن نميز بين معركة يجب خوضها، وموقفٍ يُحسم بالحكمة. تعلّمنا أن الانحناء ليس ضعفًا، وأن السقوط ليس نهاية. فمن يعرف كيف يصادق الريح، وكيف يتصالح مع الأرض، يكتشف أن النجاة ليست دائمًا في التحليق الأعلى… بل في الهبوط في الوقت المناسب

Previous
Previous

مطار منتصف الليل

Next
Next

رحلة فوق الغيوم… وتحتها