رحلة فوق الغيوم… وتحتها

خاطرة صباحية

في ذلك اليوم بدت السماء صافية—أو هكذا خُيّل إليّ. أقلعت وحدي، ترافقني طائرتي الصغيرة، ونسيم خفيف يلامس جناحيها كأنّه يد أمٍّ حنون. كان كل شيء مثاليًا… حتى بدأت الغيوم تتجمع بخفة، في البداية كزائر عابر، ثم كظلٍّ يتسلل بلا استئذان

تجاهلتها أول الأمر، كما يفعل الطيار الشاب الذي يظن أن قلبه وحده يكفي لعبور العواصف. لكن الغيوم تمددت، وابتلع الأفق لونَه الأزرق، وتحول المشهد إلى لوحة رمادية لا رحمة فيها. داخل السحب، فقدت الاتجاه—لا شمال ولا جنوب، لا أرض تستند إليها العين

خفَت صوت الطائرة، وكأنها تخشى أن تزعج العاصفة. وساد في داخلي صمتٌ ثقيل، ذاك الصمت الذي يلامس حدود الوجود. أغمضت عينيّ لا خوفًا، بل سكونًا. ثم فتحتهما وأمسكت بعصا القيادة كمن يتمسك بخيطٍ رفيع بين الحياة والمجهول. اخترت أن أهبط تدريجيًا، كما يهبط الإنسان إلى أعماقه حين تضيع الرؤية من حوله

خاطرة مسائية

وحين خرجت من تحت الغيوم، انكشفت الأرض فجأة، كعروس تُرفع عنها الأستار—ببساطتها وجمالها وخطرها معًا. هبطت بسلام. لا تصفيق، لا أناشيد انتصار. فقط همسة الأرض تقول: «أحسنت»

في تأمل المساء، أدرك أن الخطر لا يكمن دائمًا في السقوط من علوّ، بل في الضياع داخل الغيوم. فكم من إنسان لا يسقط، لكنه يفقد اتجاهه وسط أفكار مضطربة أو مشاعر معتمة. ليست العتمة هي المشكلة، بل فقدان البوصلة

علّمتني تلك الرحلة أن أحيانًا يكون الحل في النزول لا في الارتفاع، في التواضع لا في التحدي، في الاعتراف بالحدود لا في تجاهلها. عندما تضيع المعالم، لا تبحث عن شجاعة متهورة، بل عن حكمة هادئة تقودك إلى مستوى ترى فيه الحقيقة بوضوح

الحياة تشبه التحليق بين الغيوم. قد يبدو الطريق واضحًا في البداية، ثم تبتلعك طبقات من الشك والالتباس. لكن إن تمسكت بخيط الوعي، وإن تجرأت على النزول إلى حيث ترى بوضوح، ستجد الأرض تنتظرك—لا لتحتفل بك، بل لتحتضنك بصمت

وأدركت أن النصر الحقيقي ليس في أن تعبر العاصفة دون خوف، بل في أن تعود إلى الأرض أكثر تواضعًا، وأكثر فهمًا لنفسك. فالسماء قد تختبرنا بغيومها، لكن الأرض تكافئنا حين نتعلم كيف نعود إليها بسلام

Previous
Previous

رهانٌ ضد الريح… وسقوطٌ أنقذني

Next
Next

حين تُقلع الأرواح قبل الطائرات