ألا إنّ للعقول لياليَ كليالي البيداء، يطول فيها السُّرى، وتشتبه المسالك، فلا يهتدي السائر بكثرة الخطو، بل بنجمٍ لا يخون، ونارٍ تُرى من بعيد، ومن أولئك الذين أوقدوا في ليل الفكر نارًا لم تطفئها القرون أبو الوليد ابن رشد، رجلٌ مضى جسده، وبقي سؤاله يسري في الأزمنة كما تسري الريح في الفلاة، لا تُرى ولكن يُعرف أثرها
وُلد بقرطبة سنة 1126م، في دارٍ كان العلم فيها ميراثًا، والقضاء منزلةً، والكتاب جليسًا. غير أنّه لم يرضَ أن يكون حافظًا لما قال السابقون، بل أراد أن يعرف لِمَ قالوا، ومن أين جاء القول، وإلى أين ينتهي، وكان يرى أنّ العقل إذا رُبط إلى وتد التقليد مات، كما تموت الفرس إن طال بها المقام ولم تعرف الفلاة
ولم يرَ بين الإيمان والعقل حربًا كما رآها بعض الناس، بل رأى كليهما طالبًا للحقيقة، وإن اختلف الطريق. فليس النور عدوًّا للنور، ولا الحقُّ ناقضًا للحق، ومن هنا جاء كتابه "فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال" كجسرٍ أقامه فوق وادٍ توهّم الناس أنّ ضفتيه لا تلتقيان
كان ابن رشد يدرك أن الإيمان الذي يخشى السؤال إيمانٌ لم يختبر قوته بعد، وأن العقل الذي يزهو بنفسه حتى ينكر حدوده قد يصير غرورًا بلباس الحكمة، ولذلك لم يجعل العقل إلهًا، ولا جعل الدين قفلًا على أبواب النظر، بل أراد إنسانًا يؤمن ببصيرة، ويفكر بأدب، ويعرف أن السؤال ليس خنجرًا في خاصرة اليقين، وإنما هو نار تمتحن معدنه
وحين أقبل على أرسطو، لم يقف بين يديه وقوف التابع، بل وقوف المحاور، شرح وناقش وتأمل، كصائغٍ يقلب الذهب في النار، لا ليهدمه، بل ليعرف خالصه من شوائبه، فالمعرفة عنده لم تكن أثقالًا تُحمل على الذاكرة، بل بصيرةً تغيّر صاحبها
ثم دارت عليه أيام المحنة، وضاق به بعض أهل عصره، وكأنّ قدر الأفكار الكبيرة أن تضيق بها الساعة التي تولد فيها ثم تتسع لها القرون. وما أعجب شأن الكلمة، قد تُغلق في وجهها أبواب بلد، فتجد لها وراء البحر ألف باب، وهكذا عبر فكر ابن رشد إلى أوروبا، وصار له هناك أثرٌ امتد أجيالًا، وكأنّ الفكرة حين عجزت الأرض عن احتوائها صارت طائرًا لا يعرف الحدود
وفي سيرته حكمةٌ أبقى من الكتب. أن الأمم لا يبدأ أفولها حين تفقد المال، بل حين تخشى السؤال، وأن الجهل ليس خلوَّ الرفوف من الكتب، بل امتلاء الصدور بالخوف من التفكير
وأما الموعظة، فهي أن العقل والإيمان كعينين في وجه الإنسان، إذا أغمض إحداهما نقص الأفق، وإذا أبصر بهما معًا رأى الطريق أوسع وأبعد
رحل ابن رشد كما يرحل الناس، غير أن التراب أخذ جسده ولم يأخذ سؤاله، فالقبور تتسع للعظام، ولا تتسع للأفكار. وما مات رجلٌ أبقى وراءه عقلًا مستيقظًا. ولا غاب من صار للآخرين نجمًا في ليل الطريق