ليست مأساة الإنسان دائمًا فيما يفقده، بل أحيانًا فيما يرضى به، وطه حسين لم يكن عظيمًا لأنه فقد بصره ثم واصل حياته، بل لأنه رفض أن يفقد حقه في السؤال
وُلد سنة 1889 في صعيد مصر، وفقد بصره صغيرًا، لكن العتمة التي أطبقت على عينيه لم تدخل عقله. وما لبث ذلك الصبي أن صار واحدًا من أكثر الأصوات العربية إزعاجًا للركود، لأنه فهم مبكرًا أن المجتمعات لا تتقدم حين تحفظ الإجابات، بل حين تملك شجاعة إعادة طرح الأسئلة
كان في وسعه أن يكتفي بمكانٍ آمن بين الأدباء، وأن يكتب ما يرضي الذائقة ولا يغضب أحدًا، لكنه اختار الطريق الأصعب، أن يختلف
ولهذا لم يكن مشروع طه حسين أدبيًا فحسب، بل كان معركة مع الخوف من العقل، كتب في التراث، والتعليم، والثقافة، والهوية، ولم يتعامل مع الموروث باعتباره جدارًا لا يجوز لمسه، بل مادةً للفحص والنقد. فأثار الجدل، وواجه الخصوم، ودفع ثمن جرأته، لأن السؤال، في المجتمعات التي تخاف المراجعة، قد يصبح تهمة
وهنا تكمن قيمته الحقيقية، لم يكن فقدان البصر أعظم ما واجهه، بل كان عليه أن يصارع عيونًا كثيرة تبصر ولا تريد أن ترى، وهذه مفارقة لا تزال صالحة لعصرنا، قد يكون الإنسان سليم الحواس، لكنه عاجز عن النظر خارج ما اعتاده
طه حسين يحرجنا حتى اليوم، لأنه يضع أمامنا سؤالًا قاسيًا، ماذا نفعل بما نعرف؟
نحن نعيش في زمن تتضاعف فيه المعلومات كل لحظة، لكن كثرة المعرفة لا تصنع بالضرورة عقلًا حرًا. يمكن للمرء أن يقرأ ألف كتاب، ثم يبقى أسير فكرة واحدة لا يجرؤ على مراجعتها
ذلك هو العمى الأخطر، لم يترك طه حسين مؤلفاتٍ فحسب، ترك وراءه موقفًا من الحياة، أن العقل لا يُكرم بتعطيله، وأن احترام التراث لا يعني تحنيطه، وأن التعليم ليس ترفًا، بل شرطٌ للكرامة الإنسانية
وربما لهذا بقي طه حسين حاضرًا بعد رحيله، لأن الرجال الذين يكتبون ليُرضوا زمنهم يرحلون معه، أما الذين يخاصمون زمنهم كي يوسّعوا أفقه، فيبقون، لقد فقد الرجل نور العين، لكنه امتلك ما هو أندر، شجاعة أن يرى بعقله، وأن يقول ما رأى