الضمان الاجتماعي ومديونية الدولة

خاطرة صباحية
في الصباح، ينهض المتقاعدون على طمأنينةٍ مؤجَّلة، تشبه ابتسامة من يعرف أن خلفها قلقًا صامتًا. صندوق الأمان الذي وُلد ليحمي أعمارهم يبدو ثابتًا في الشكل، لكنه مثقل بأسئلةٍ لا تُرى. هنا، لا يعود الضمان وعدًا مطلقًا، بل اختبارًا لمعنى المسؤولية حين تتقدّم الحسابات على القيم

خاطرة مسائية
في المساء، حين يضع العامل يومه على حافة التعب، يتحوّل التفكير في التقاعد إلى تأمّلٍ فلسفيّ في الزمن والعدالة. الاشتراك الشهري ليس رقمًا يُقتطع، بل فعلُ إيمانٍ بأن الغد سيكافئ الصبر. غير أن هذا الإيمان يهتزّ حين يصبح الصندوق الذي يجسّد الأمان الجمعي رافعةً تُسند عجز الدولة. عندها، يتبدّل المعنى: ما كان عقدًا أخلاقيًا بين الأجيال يغدو دينًا مؤجّل السداد على من لم يولدوا بعد. ليست المشكلة في الحاجة، بل في الخلط بين ما هو عام وما هو مؤتمن؛ بين خزينة تُدار بمنطق السياسة، ومظلّة وُجدت لتحمي المجتمع من قسوة الزمن. كل سحبٍ من رصيد الضمان هو اقتطاع من الثقة، وكل تبريرٍ مؤقّت يؤجّل مواجهة السؤال الجوهري: هل تُدار الدولة لتأمين مواطنيها، أم يُستنزف أمان المواطنين لتأمين الدولة؟ في هذا المساء، تتكشّف المفارقة القاسية: حين يُضحّى بالأمان الاجتماعي باسم الاستقرار المالي، يصبح الاستقرار نفسه هشًّا، ويغدو الشيخ قلقًا على ماضيه، والعامل خائفًا على مستقبله، والشاب حائرًا في معنى الانتماء إلى عقدٍ لا يعرف إن كان سيُحترم حين يحين أوانه

  

Osama Shakman

Forty years in the sky were not merely a profession, but a long meditation on the meaning of existence. Borders drawn on maps dissolve, and the world becomes a single, living whole, where everything seems small except the human being.

In that altitude, I learned to observe and to understand before I judge, to see turbulence as part of a greater order not immediately visible to the eye. The sky was my first teacher: its vastness teaches humility, and its silence awakens the art of listening.

Today, I exchange the cockpit for the pen—not to recount a professional biography nor to stand on a political platform, but to open a window for reflection. What I write is not borrowed theory, but thoughts born of lived experience—of long flight hours and quiet moments between takeoff and landing.

This space is simply a free ground for thought, where words are kept from noise and the human story is honored, however simple it may seem. For every life, no matter how fleeting, carries a meaning worth telling and a voice worth hearing.

Welcome to a new journey—one measured not in miles, but in depth of thought and breadth of vision.

٤٠ عاما في السماء، عمر من المراقبة

أربعون عامًا في السماء لم تكن مجرد مهنة، بل تأمّلًا طويلًا في معنى الوجود. تتلاشى الحدود التي رسمناها على الخرائط، ويغدو العالم كتلةً واحدة نابضة بالحياة، حيث يصغر كل شيء إلا الإنسان.

في ذلك العلوّ تعلّمت أن أراقب وأفهم قبل أن أحكم، وأن أرى الاضطراب جزءًا من نظامٍ أكبر لا تدركه العين لأول وهلة. كانت السماء معلمي الأول: اتساعها يعلّم التواضع، وصمتها يوقظ الإصغاء.

واليوم أستبدل قمرة القيادة بالقلم، لا لأروي سيرةً مهنية ولا لأعتلي منبرًا سياسيًا، بل لأفتح نافذةً للتأمل. ما أكتبه ليس نظرياتٍ مستعارة، بل أفكار وُلدت من التجربة، من ساعات الطيران الطويلة ولحظات التأمل بين الإقلاع والهبوط.

هذا الفضاء مساحةٌ حرة للفكر، تُصان فيها الكلمة من الضجيج، ويُحتفى بالقصة الإنسانية مهما بدت بسيطة. فكل حياة، وإن بدت عابرة، تحمل معنى يستحق أن يُروى وصوتًا يستحق أن يُصغى إليه.

مرحبًا بكم في رحلةٍ لا تُقاس بالأميال، بل بعمق الفكرة واتساع الرؤية.

Previous
Previous

الوفاء في زمن المصلحة

Next
Next

بيوت العزاء في الأردن