بيوت العزاء في الأردن
خاطرة صباحية
في الصباح، حين يمرّ الموت خفيفًا على الأبواب، لا يطلب شيئًا سوى الصمت. لكننا نُثقله بما لا يحتمل: حسابات، أعراف، ونظرات تُراقب أكثر مما تُواسي. كأن الحزن فقد حقّه في العُزلة، وصار مطالبًا بأن يبرّر نفسه أمام المجتمع. في تلك اللحظة، يتبدّى السؤال الفلسفيّ القديم: هل نُعزّي لأن القلب يدعونا، أم لأن العادة تُلزمنا؟
خاطرة مسائية
وحين يهبط المساء، تتراكم الظلال في صدور أهل الفقيد أكثر مما تتراكم الكراسي في الساحة. ينكشف المعنى العاري للحزن: وحدةٌ لا تُخفّفها الجموع، وصمتٌ لا يقطعه الضجيج. هنا، يتحوّل العزاء من فعل إنسانيّ إلى مرآةٍ للأنا؛ تُقاس فيه الرحمة بالعدد، والوقار بالشكل، والصدق بمدى الالتزام بالطقس. كأن الموت—وهو أقصى حقيقة—يُختزل في طقوسٍ تُدار بعقل السوق لا بحكمة الفقد. تتبدّد البساطة التي كانت تمنح الحزن طهارته، ويحلّ محلّها اقتصادُ المظاهر: ضيافةٌ تُرهق، وديونٌ تُراكم، وخوفٌ من كلام الناس يتقدّم على السكينة. في هذا المساء، لا يعود السؤال عمّا قُدِّم على الطاولة، بل عمّا فُقِد في المعنى: أين ذهبت الرحمة حين صارت واجبًا؟ وأين اختفى الدعاء حين صار الحضور استعراضًا؟ هنا فقط نفهم أن العزاء ليس مكانًا، بل موقفًا؛ ليس صوتًا، بل نيةً؛ وليس عددًا، بل معنىً يُختبر في الخفاء أكثر مما يُعلن في العلن