من عمّان إلى العقبة… مذكّرات مواطن نجا من الطريق الصحراوي

من عمّان إلى العقبة نحو ثلاثمئة وثلاثين كيلومترًا، لكنها على الطريق الصحراوي لا تُقاس بالكيلومترات وحدها، فهناك وحدة قياس أخرى أكثر دقة اسمها، كم مرة قلت، "يا ساتر" قبل أن ترى البحر؟

تخرج من عمّان وقد عبأت الوقود، وفحصت الزيت والإطارات والماء، وربما كان من الحكمة أن تفحص ضغط الدم أيضًا، فالرحلة ليست انتقالًا من مدينة إلى أخرى، بل دورة مكثفة في الصبر، وهندسة الطرق، وعلم النفس، والتعايش السلمي مع البشر والشاحنات وما قد يفاجئك من مخلوقات مرورية لم تُدرج بعد في كتب تعليم القيادة

وما إن تتجاوز الجيزة حتى تبدأ مدرسة الطريق، ترى شاحنة في المسرب الأيسر، وأخرى في الأيمن، وكلتاهما تخوضان سباقًا ملحميًا بفارق سرعة لا تكاد تدركه أجهزة القياس، تمر دقيقة، ثم أخرى، والشاحنتان لا تزالان متجاورتين، وخلفهما طابور من السيارات تحولت المصيبة فيه إلى رابطة اجتماعية بين أناس لم يلتقوا من قبل

والغريب أن المسرب الأيسر عند بعض السائقين لم يعد مسرب تجاوز، بل عنوان إقامة دائمة، يدخل إليه السائق قرب عمّان، وقد لا يغادره إلا عندما تبدأ جبال العقبة بالظهور، تومض له بالأنوار، تنتظر، تناشده بصمت، لكنه ثابت كجبل، كأن سند ملكية المسرب محفوظ مع رخصة السيارة

ثم يأتي نوع آخر، لا يسير في اليمين ولا في اليسار، وإنما يضع السيارة فوق الخط الفاصل بينهما، يبدو مقتنعًا أن الخط الأبيض لم يُرسم للفصل بين المسربين، بل ليكون تحت منتصف سيارته تمامًا، يسير عليه كأنه قائد طائرة يضع مقدمتها على خط منتصف المدرج، مع فارق صغير، هذه سيارة، وهذا شارع، والسيارات خلفه لا تنتظر تصريح الإقلاع

وهناك صاحب الهاتف المحمول، يد على المقود، وأخرى على الشاشة، والعين بين الطريق والرسائل، أما التركيز فقد غادر السيارة منذ بداية الرحلة، يبطئ بلا سبب، وينحرف قليلًا ثم يعود، فتظن أن في المركبة عطلًا، حتى تقترب وتكتشف أن السائق منشغل برسالة ربما تغيّر مستقبل البشرية، ولذلك لا بأس أن ينتظر الطريق قليلًا حتى ينتهي منها

ثم يأتي السرحان، وهو مدرسة مستقلة، سائق لا يحمل هاتفًا، ولا يسرع، ولا يتجاوز، لكنه موجود في السيارة بالجسد فقط، أما عقله فربما يحل مشكلة عائلية، أو يحسب أقساطه، أو يعيد في رأسه حوارًا قديمًا ما زال يسكنه رغم أن الزمن مضى وتركه وراءه. السيارة تسير، والسائق يتأمل الوجود، وأنت خلفه تتأمل مصيرك

وهناك نقيض المسرع، سائق قرر أن يجعل الطريق الصحراوي نزهة هادئة في غابات عجلون، الطريق مفتوح، والجو صافٍ، لكنه يسير في المسرب الأيسر بسرعة تجعلك تبحث حولك عن أشجار البلوط والسنديان، تكاد تتوقع منه أن يفتح النافذة ويقول لعائلته، "شوفوا الطبيعة"، بينما خلفه عشرات السيارات لا ترى من الطبيعة إلا مؤخرة سيارته

ثم تقترب من سواقة والقطرانة، وهناك يصبح الطريق والقرية جارين في زواج لم تُحسم شروطه بعد، سيارات تدخل فجأة، وأخرى تخرج بلا مقدمات، ومركبة تقف نصفها على الطريق ونصفها في مكان لا يعرفه علم الهندسة، وأحيانًا يظهر لك من داخل قرية أو تجمع سكاني سائق يسير بعكس الاتجاه وكأنه اكتشف نظرية جديدة في اختصار المسافات، تراه قادمًا نحوك فتسأل نفسك، هل أنا المخطئ؟ هل تغيّر اتجاه السير قبل خمس دقائق؟ ثم تدرك أن الرجل ببساطة قرر أن القانون طويل، والطريق أقصر إذا استعمله من الجهة التي تعجبه

وفي بعض المداخل لا تدري هل أنت على طريق دولي أم في ساحة بيت كبيرة، سيارة تدخل، وأخرى تدور، وثالثة تقف للحديث مع صديق، ورابعة تريد قطع الطريق من طرف إلى طرف كأنها تعبر فناء منزلها

ثم يظهر الحل الهندسي المحبوب، المطب

والمطب عندنا ليس مجرد وسيلة لخفض السرعة، إنه مؤسسة متعددة الاختصاصات، يقوم مقام الجسر، والإشارة، والشرطي، والرادار، وأحيانًا طبيب العظام أيضًا، تكون تسير مطمئنًا، فإذا بالأرض ترتفع أمامك كأن القشرة الأرضية قررت تنفيذ حركة تكتونية عاجلة، تضغط الفرامل، ترتفع السيارة، ثم تهبط وتنظر في المرآة لتتأكد أن مؤخرة السيارة ما زالت تتبع بقية أجزائها

وحياة أهل القرى أقدس من أي جدل، لكن حماية الإنسان لا ينبغي أن تختصر في تل من الإسفلت، هناك جسور، وأنفاق، وطرق خدمة، ومداخل آمنة، وإنارة وإشارات واضحة، أما أن نضع مطبًا ونقول "حُلّت المشكلة"، فهذا يشبه أن تعالج وجع الرأس بتغيير الوسادة

ولعل من المفيد أن نحسب للمطب حسابًا آخر غير عدد السيارات التي أجبرها على تخفيف السرعة، لو أن الدولة أحصت يومًا كم قطعة غيار استُبدلت بسبب المطبات، وكم مساعدًا تلف، وكم نابضًا انكسر، وكم إطارًا تضرر، وكم مركبة دخلت ورشة صيانة لأنها عبرت مطبًا صُمم كأنه عقوبة لا وسيلة أمان، لظهرت لنا فاتورة أخرى لا نراها ونحن ننظر إلى الإسفلت وحده

والأمر يصبح أكثر وضوحًا مع سيارات الشحن التي تذهب وتعود بين عمّان والعقبة باستمرار، محملة بأطنان من البضائع، فهذه المركبات لا تعبر المطب بوزن سيارة صغيرة، بل تدخل عليه بحمولتها ومحاورها وإطاراتها وأنظمة تعليقها كاملة، وكل ضربة غير محسوبة تتحول مع الزمن إلى صيانة، وقطعة غيار، وتوقف عن العمل، وتأخير في النقل، وكلفة إضافية تُحمّل في النهاية على الاقتصاد كله

فإذا كانت كثير من قطع الغيار مستوردة من الخارج، فإن المطب السيئ لا يهز السيارة فقط، بل قد يهز جيب صاحبها أيضًا، ويستهلك من العملة الصعبة قطعة بعد أخرى، وهكذا قد يصبح تل صغير من الإسفلت فاتورة كبيرة موزعة بصمت بين أصحاب المركبات وشركات النقل والمستهلك والاقتصاد الوطني، حتى تكاد تسأل، كم كلفتنا بعض المطبات فعلًا، لا في إنشائها، بل في كل ما حطمته بعدها؟

ثم تمضي نحو الحسا، فتفتح الصحراء أفقها العظيم، ويصبح المشهد جميلًا إلى أن يتدخل بعض المسافرين في تحسينه بطريقتهم الخاصة، كيس بلاستيك هنا، كوب قهوة هناك، زجاجة ماء، علبة طعام، وربما إطار سيارة قرر صاحبه أن يتركه ذكرى للأجيال القادمة.

يفتح أحدهم النافذة ويرمي ما في يده، ثم يصل العقبة مساءً ويكتب على هاتفه، "لماذا البلد غير نظيف" والجواب ربما لا يزال يطير خلفه على الطريق

ثم ترى الأشجار الصغيرة المزروعة هنا وهناك، فتفرح بفكرة الخضرة في قلب الصحراء، لكن الشجرة لا تعرف البيانات الصحفية، ولا أسماء المسؤولين، ولا تبتسم للمصور، تريد ماءً ورعاية وحماية فقط. والسؤال الحقيقي ليس، كم شجرة زرعنا؟ بل، كم شجرة بقيت حيّة بعد خمس سنوات؟ فالحفرة تُحفر في دقائق، أما إبقاء الشجرة حيّة تحت شمس الصيف فهو الامتحان الحقيقي

ثم تصل إلى معان، وهناك تكون قد قطعت شوطًا في الطريق وشوطًا أكبر في الحكمة، تتعلم أن الخط الأبيض ليس مضمونًا، وأن المسرب الأيسر قد يكون عقارًا خاصًا، وأن الهاتف عند بعض الناس أهم من الطريق، وأن بعض السيارات يمكن أن تدخل عليك من قرية كما يدخل عليك ضيف بلا موعد.

ومن معان تمضي جنوبًا، وتبدأ ملامح الأرض بالتغير، حتى تقترب من الراجف والنزول نحو العقبة. وهنا تظهر الشاحنات من جديد وكأنها كانت تنتظرك لإكمال الفصل الأخير من الرواية، شاحنة تتجاوز أخرى في طلوع أو نزول، والحمراء التي رأيتها قرب القطرانة ما زالت معك، والبيضاء رافقتك منذ سواقة، والزرقاء أصبحت من أهل العشرة حتى تكاد تلوّح لسائقها، "تشرفنا، والله يديم الصحبة، لكن لو ترجع يمين بكون ممنون".

ومع الانحدار نحو العقبة يصبح الطريق أكثر حساسية، والمنعطفات أكثر جدية، لكن بعض السائقين يحتفظون بروح المغامرة نفسها، واحد يغير المسرب بلا إشارة، وآخر يقرر التجاوز في اللحظة التي تتساءل فيها أنت لماذا اختُرع الفرامل أصلًا، وثالث يخفف السرعة فجأة لأنه لمح منظرًا جميلًا، وكأن خلفه حافلة سياحية لا سيارات تحاول الوصول بأمان

لكن الشاحنة ليست العدو، والقرية ليست المشكلة، والسائق ليس وحده المتهم، الطريق منظومة كاملة. الشاحنة تحمل اقتصاد البلد من ميناء العقبة وإليه، والقرى لها حق الأمان، والسائق له حق طريق واضح، والدولة عليها واجب التنظيم، والمواطن عليه واجب ألا يحول الطريق إلى تجربة شخصية في اختبار أعصاب الآخرين

فالطريق يكشف شيئًا من طباعنا، هناك من يظن أن القانون نصيحة، ومن يرى المسرب الأيسر إرثًا عائليًا، ومن يرى الخط الأبيض دليل تصويب، ومن يعتبر الهاتف شريكًا في القيادة، ومن يعتقد أن السير بعكس الاتجاه اختصار ذكي، ومن يفتح نافذته ليتخلص من نفاياته ثم يغضب لأن الصحراء ليست نظيفة

نريد طريقًا لا يحتاج فيه المواطن إلى بطولة كي يصل، طريقًا تعرف فيه الشاحنة مسربها، والسائق أن الهاتف ينتظر، والخط الأبيض أنه فاصل لا خط مدرج، والمطب أنه آخر الحلول لا أولها، ومن يسكن قرب الطريق أن السير بعكس الاتجاه ليس اجتهادًا محليًا، والشجرة أن هناك من سيعود ليسقيها، والمواطن أن الأردن لا يبدأ عند باب بيته وينتهي عند نافذة سيارته

وعندها فقط، حين ننطلق من عمّان إلى العقبة، لن نحتاج إلى أن نقول لأهلنا. إذا وصلت بطمنكم

سنقول ببساطة. نشوفكم في العقبة

Previous
Previous

ليس كلُّ مَن اقترب من القلب استحقَّ البقاء فيه

Next
Next

When Jordanians Speak About Their Homeland