ليس كلُّ مَن اقترب من القلب استحقَّ البقاء فيه
كلما عدتُ إلى قصة يوسف عليه السلام، وجدتُ فيها مرآةً لا لزمنٍ مضى فحسب، بل للطبيعة البشرية في كل زمان، ما استوقفني يومًا ليس الجبّ وحده، ولا القافلة، ولا السجن، ولا مُلك مصر، بل تلك الحقيقة القاسية التي سبقت كل ذلك، أن الأذى جاءه من أقرب الناس إليه، لم يكن الذين ألقوه في غيابة الجب غرباء، ولم يكونوا أعداءً جاءوا من وراء الحدود، بل كانوا إخوته، يحملون من دمه ما يحمل، ويعرفون وجه أبيه ودفء بيته ومواضع طفولته، ومن هنا تعلمت أن المسافة بين الإنسان والإنسان لا تُقاس بالدم، بل بما يسكن القلب من وفاء.
في العمر نلتقي أقرباء كثيرين، ونظن أن القرابة وحدها تكفي لتصنع الأمان، ثم نكتشف أن الرحم رابطةٌ خلقها الله، أما المودة فخلقٌ يبنيه الناس أو يهدمونه، قد يكون لك قريب يعرف اسمك ولا يعرف وجعك، وصديق لم يجمعك به نسب لكنه يعرف صمتك قبل كلامك، وقد تقف في ساعة الحاجة فتجد من كنت تراه بعيدًا أقرب إليك ممن شاركك الاسم والبيت والذكريات
وقد رأيت أن الصداقة كذلك لا تُختبر في المجالس الهادئة، ولا في الموائد العامرة، ولا في الأيام التي يكون فيها كل شيء يسيرًا، الصديق الحقيقي يظهر حين تضيق الطرق، وحين لا يكون في الوقوف معك منفعة، وحين يستطيع أن يرحل فيختار أن يبقى، أما الذي أحب وجودك ما دمت نافعًا له، فذلك لم يكن يحبك، بل أحب ما كان يجنيه منك
لكن قصة يوسف تعلمني شيئًا أعمق من الحذر، تعلمني ألا أتحول، بسبب ما فعله الآخرون، إلى نسخةٍ أخرى منهم. حين وقف يوسف أمام إخوته وهو قادر على العقاب، لم يجعل القوة جسرًا إلى الانتقام، بل جعلها امتحانًا للأخلاق. قال، "لا تثريب عليكم اليوم"، وهذه الكلمات ليست نسيانًا لما حدث، ولا إنكارًا للجبّ، بل انتصار الإنسان على رغبته في أن يردّ الألم بألم
ومع ذلك، لا أرى أن الصفح يعني أن تعود الأشياء كما كانت، فالسامح لا يصبح ساذجًا، والغافر لا يفقد ذاكرته، بعض التجارب لا تُمحى لأنها خُلقت لتعلّمنا الحدود، قد أغفر لقريب، وأصفح عن صديق، وأتمنى له الخير، لكنني لا أُلزم نفسي بأن أعيده إلى المكان ذاته الذي أساء فيه الأمانة
لقد تعلّمت أن القلب ليس ساحةً عامة، وأن القرب امتياز لا حق مكتسب، وأن الثقة لا تُورَّث مع النسب ولا تُمنح لأن وراءها تاريخًا طويلًا، الثقة تُبنى بالمواقف، وتُصان بالصدق، وقد تضيع في لحظة حين يكتشف الإنسان أن اليد التي كان يمسك بها كانت هي نفسها التي تدفعه نحو الجب
ولعل الحكمة أن نخرج من تجاربنا بلا حقد، ولكن أيضًا بلا عمى، أن نحفظ للرحم حقه، وللصداقة معناها، ولأنفسنا كرامتها، فليس كل من فقد مكانه في حياتنا عدوًا، وليس كل من سامحناه جديرًا بالعودة، بعض الناس أجمل ما يمكن أن نهبه لهم دعاءً من بعيد، ثم نواصل الطريق وقد أدركنا أن النجاة ليست في ألا نتألم، بل في ألا نجعل الألم يفسد ما بقي فينا من نور