اللجنة… حين يصبح الإنسان موضوعًا للمحاكمة دون أن يعرف التهمة

خاطرة صباحية
في هذا الصباح، تعود إليّ رواية "اللجنة" للكاتب المصري "صنع الله إبراهيم"، الصادرة عام 1981، كذكرى بعيدة تستيقظ من زمنٍ مضى. أستعيدها كما لو أنني أفتح صفحة قديمة من حياتي، حين استعرتُها من صديق في منتصف الثمانينيات، وكنت يومها في بداية عملي كطيار، أقرأ بعينٍ تبحث عن الحكاية أكثر مما تبحث عن المعنى. لم أدرك آنذاك أن خلف هذا النص البسيط ظاهريًا عالمًا معقدًا من الأسئلة والرموز. أما اليوم، فأراها بصورة مختلفة، كمرآةٍ صامتة تكشف كيف يمكن للإنسان أن يقف أمام قوى غامضة لا يفهمها، ومع ذلك يسعى، بوعي أو بدونه، إلى إرضائها

خاطرة مسائية
في المساء، ومع مسافة الزمن التي تفصلني عن تلك القراءة الأولى، أعود إلى هذه الرواية لا كذكرى، بل كاكتشاف متجدد. بعد التقاعد، وقد تجاوزت السبعين، أجد أنني أقرأها بعينٍ مختلفة، كأنني لم أقرأها من قبل. ما لم أستوعبه قبل أكثر من ثلاثين عامًا، يتكشف اليوم بوضوحٍ أكبر، وكأن التجربة الحياتية كانت المفتاح لفهمها

تدور الرواية حول "اللجنة"، ذلك الكيان الغامض الذي لا يُعرّف نفسه بوضوح، لكنه يمتلك سلطة مطلقة. هنا لا تكون القوة في الوضوح، بل في الغموض، ولا في المواجهة، بل في الإخضاع الصامت. البطل لا يعرف ما المطلوب منه تمامًا، ومع ذلك يسعى بكل طاقته لإرضاء هذه السلطة، متحملًا الإهانة والتناقض، وكأن قبوله باللعبة هو شرط بقائه

تأخذني هذه الفكرة إلى تأمل أعمق: كم مرة في حياتنا نجد أنفسنا أمام "لجان" مختلفة، ليست بالضرورة مؤسسات رسمية، بل أنظمة غير مرئية من التوقعات والضغوط، نحاول أن نتماهى معها خوفًا من الرفض أو الإقصاء؟ وهنا تتقاطع الرواية مع تجربة إنسانية عامة، حيث يتحول الإنسان تدريجيًا من فاعل إلى تابع، ومن صاحب قرار إلى منفذ

أدرك اليوم أن الإشارة إلى تأثر الرواية بأجواء المحاكمة ليست مجرد مقارنة عابرة، بل محاولة لفهم جذور الفكرة التي بنى عليها الكاتب عالمه. فـ فرانز كافكا هو أحد أبرز الأدباء الذين صوّروا عبثية السلطة وغموضها، حيث يجد الإنسان نفسه في مواجهة نظامٍ يحاكمه دون أن يوضح له التهمة، ويطالبه بإثبات براءته في واقعٍ لا يعترف أصلًا بالبراءة

ولهذا أستحضره هنا، لا للتشابه السطحي، بل لأن ما كتبه كافكا يفتح بابًا لفهم أعمق لما أراد صنع الله إبراهيم التعبير عنه. فالروايتان تلتقيان في جوهر واحد: الإنسان حين يصبح محاصرًا داخل منظومة غامضة، لا يفهم قواعدها، ومع ذلك يُجبر على الخضوع لها. ومن خلال هذه المقارنة، يتضح أن القضية ليست محلية أو زمنية، بل حالة إنسانية متكررة، حيث يتحول الفرد إلى كائن يسعى لإرضاء قوة لا يراها بوضوح، لكنه يشعر بثقلها في كل تفصيلة من حياته

لكن الحكمة التي أخرج بها اليوم، بعد هذه الرحلة الطويلة، أن أخطر ما في هذه "اللجنة" ليس سلطتها، بل استعداد الإنسان الداخلي للخضوع لها. فحين يفقد الإنسان وعيه بذاته، يصبح مستعدًا لأن يُعاد تشكيله وفق ما يُطلب منه، دون أن يسأل: لماذا؟

ومن تجربتي الشخصية، أرى أن الحياة، مثل الطيران، تحتاج إلى وضوح في الاتجاه، لأن أخطر ما قد يواجهه الإنسان ليس العاصفة، بل أن يفقد بوصلته. وكذلك في هذه الرواية، لم تكن المأساة في قوة اللجنة، بل في ضياع المعنى لدى البطل

وفي هذا المساء، أستخلص موعظة هادئة لكنها حاسمة: أن الإنسان قد يواجه قوى أكبر منه، لكنه يملك دائمًا خيارًا واحدًا لا يجب أن يتخلى عنه، وهو أن يبقى واعيًا بذاته. لأن من يفقد هذا الوعي، لن تنقذه أي معرفة، ولن تحميه أي طاعة

Previous
Previous

فرانز كافكا… حين تتحول الكتابة إلى مرآة للقلق الإنساني

Next
Next

أرض البرتقال الحزين… ذاكرة لا تذبل