أرض البرتقال الحزين… ذاكرة لا تذبل
خاطرة صباحية
في هذا الصباح، تحضر رواية "أرض البرتقال الحزين" للكاتب والأديب الفلسطيني غسان كنفاني، الصادرة عام 1963، كنسمةٍ مثقلة بعبق الوطن البعيد. ليست مجرد مجموعة قصصية، بل ذاكرة حيّة تختزن وجع النكبة والشتات، وتعيد تشكيله في وجدان من يقرأها. كلما مرّ طيف البرتقال في الخيال، يتجدد الإحساس بأن ما فُقد لم يكن أرضًا فقط، بل حياة كاملة اقتُلعت من جذورها. أراها حكاية شعبٍ حمل وطنه معه أينما ذهب، كجرحٍ لا يندمل، وحنينٍ يظل يقاوم النسيان
خاطرة مسائية
في المساء، حين يهدأ صخب العالم وتصفو المسافات للتأمل، أعود إلى أرض البرتقال الحزين لا كقارئ يتتبع الحكايات، بل كإنسان يحاول أن يفهم كيف يمكن للفقد أن يتحول إلى جزءٍ من الحياة، لا حدثٍ عابر فيها. ما يقدمه غسان كنفاني هنا ليس مجرد سردٍ للتهجير، بل كشفٌ عميق عن حالة إنسانية يتقاطع فيها الألم مع الذاكرة، ويصبح فيها الماضي أثقل حضورًا من الحاضر
وأنا، كطيار متقاعد من أصول شركسية، أجد نفسي داخل هذه التجربة لا خارجها. فبين سطور هذه القصص، ينهض تاريخٌ أعرفه جيدًا، تاريخ أجدادٍ أُجبروا، كما أُجبر الفلسطينيون، على مغادرة أوطانهم قسرًا. عند هذه النقطة، تتلاشى الفوارق بين الجغرافيا، ويصبح الألم مشتركًا، كأن التهجير تجربة إنسانية واحدة تتكرر بأسماء مختلفة
تعلّمني هذه القراءة أن الفقد لا يقتصر على الأرض، بل يمتد ليعيد تشكيل الإنسان من داخله، فيزرع فيه شعورًا دائمًا بالبحث، وكأن حياته كلها محاولة مستمرة لاستعادة ما لا يُستعاد. لكن المفارقة أن هذا البحث، رغم قسوته، هو ما يحفظ للإنسان توازنه، لأنه يبقيه متصلًا بجذوره، حتى وإن ابتعد عنها
وفي رمز البرتقال تتجسد هذه الفكرة بوضوح؛ فهو ليس مجرد ثمرة، بل اختزالٌ لوطنٍ كامل، لطفولةٍ انقطعت، ولحياةٍ كانت يومًا بسيطة قبل أن تتحول إلى ذكرى. إنّه تذكير دائم بأن الأشياء الصغيرة قد تحمل في داخلها أكبر المعاني، وأن ما نفقده لا يختفي، بل يتحول إلى جزءٍ من وعينا
أما الحكمة التي يتركها كنفاني، فأراها في أن الذاكرة ليست عبئًا كما قد نظن، بل مسؤولية، وأن التمسك بها ليس ضعفًا، بل شكل من أشكال البقاء. وكذلك أجد في تجربتي الشخصية أن الإنسان، مهما ابتعد، لا يستطيع أن يبدأ من فراغ، بل يبني حاضره على ما يحمله في داخله من تاريخ
وفي هذا المساء، أخلص إلى موعظةٍ هادئة لكنها عميقة: أن الإنسان قد يُجبر على مغادرة المكان، لكنه يملك دائمًا خيارًا واحدًا لا يُنتزع منه، وهو ألا يتخلى عن ذاته
فالوطن، كما أدركه اليوم، ليس مجرد أرض نعيش فوقها، بل معنى عميق يسكن فينا ويشكّل هويتنا. وأنا حين أتأمل هذا المعنى، أجد أن وطني هو الأردن، وتحديدًا قرية صويلح، حيث وُلد أبي، وحيث بدأت أولى خيوط الحكاية التي امتدت إليّ. هناك، لا تكون الأرض مجرد مكان، بل ذاكرة حيّة، تفاصيل صغيرة من الطفولة، ووجوه مألوفة، وأصوات لا تغيب
الأردن بالنسبة لي ليس حدودًا على خريطة، بل إحساس بالانتماء، بالأمان، وبالاستمرارية. هو المكان الذي احتضن قصصنا، وحفظ جذورنا، ومنحنا فرصة أن نبقى رغم كل ما حمله التاريخ من قسوة. في صويلح، يتجسد الوطن بصورة أقرب، أكثر دفئًا، حيث تتحول الحجارة والطرق والأشجار إلى جزءٍ من الذات، لا يمكن فصله عنها
وهنا أفهم أن الوطن الحقيقي لا يُقاس فقط بما نملكه من أرض، بل بما نحمله من ارتباط بها. فإذا ترسّخ هذا المعنى في داخلنا، أصبح الوطن حيًا فينا أينما ذهبنا، أما إن فقدناه، فلن تعيده إلينا أي بقعةٍ أخرى، مهما بدت جميلة أو قريبة