أرض البرتقال الحزين… حين يلتقي المنفيّان في وطنٍ واحد
تعود إليَّ اليوم "أرض البرتقال الحزين" لغسان كنفاني، الصادرة سنة ١٩٦٣، فتجيء لا كما تجيء الكتب من رفوفها، بل كما تهبُّ ريحُ الصَّبا على طللٍ عفا رسمُه وبقي في القلب أثرُ أهله، فتحرّك في النفس ما حسب المرء أن السنين قد وارته. وما إن أذكرها حتى ينهض في خاطري صديق العمر صبحي، رحمه الله، فأعود إلى بداية السبعينيات، وأرى بيتهم كما كان، ومكتبة والده، رحمه الله، وقد انتظمت الكتب في رفوفها كأنها قومٌ من الحكماء آثروا الصمت حتى يأتي من يسائلهم. وما زلت أذكرني واقفًا بين يديه أستأذنه في استعارة الكتاب، فأذن لي بسماحةٍ لم أكن أعلم يومها أنها ستفتح في نفسي بابًا يبقى مشرعًا أكثر من نصف قرن
حملتُ الكتاب كما يحمل الفتى شيئًا مستعارًا ينبغي أن يردّه إلى صاحبه، ثم مضت الأعوام، فإذا أنا قد أعدت الورق، وبقيت الحكاية في داخلي. قرأت يومئذٍ فلسطين بعين الشاب، أرضًا سُلبت، وأهلًا شُرّدوا، وبرتقالًا غدا عنوانًا للحزن. أما الآن، وقد جاوزت السبعين، فقد علمتني السنون أن كنفاني لم يجعل البرتقال زينةً في السرد، بل جعله وطنًا مختصرًا في ثمرة، رائحةً تستحضر البستان، ولونًا يوقظ البيت، وطعمًا يردّ إلى المنفي زمنًا حسبه ثابتًا فإذا به ينكسر في ساعة
وفلسطين عند كنفاني ليست ترابًا فُقد فحسب، فالإنسان حين يُهجّر يُنتزع من نظامٍ كامل كان يمنحه معنى وجوده. من الطريق الذي يحفظ وقع قدميه، ومن الشجرة التي شهدت طفولته، ومن قبر الجد، ومن نافذةٍ كان يعرف منها هيئة الصباح. ولذلك لا يغادر المهجَّر وطنه مرةً واحدة، إنه يغادره في الذاكرة مرارًا، كلما أعادته رائحة أو صورة أو اسم إلى ما كان
ولعلني لهذا وجدت بيني وبين صبحي قرابةً لم تصنعها الدماء، بل صنعتها ذاكرة الرحيل. هو من أصول فلسطينية يحمل في جذوره حكاية فلسطين، وأنا أحمل في جذوري حكاية الشراكسة الذين أُخرج أجدادهم من القوقاز قبل أجيال. وليست المأساتان سواء في زمانهما ووقائعهما، ولا يصح أن تُمحى خصوصية إحداهما بالأخرى، غير أن للمنفى لسانًا خفيًا يفهمه من ورث معنى أن يكون الوطن الأول وراء بحر أو حدود
كنا يومها فتيين في الأردن، لا نزن هذه المعاني بميزان الفلسفة. نمشي في عمّان، أحدنا يحمل فلسطين في أصل الحكاية، والآخر يحمل القوقاز في طرف بعيد من الذاكرة، وكأن التاريخ، بعد طول شتات، جمع سليلَي هجرتين على أرضٍ واحدة، ثم قال لهما. ها هنا تبدأ لكما حكاية أخرى، وها هنا وطنكما الأردن
وحملتني الطائرات بعد ذلك فوق القارات والبحار والمدائن، فرأيت الحدود من علٍ خطوطًا واهنة، وعلمتني السماء مفارقةً ما زالت تدهشني. كلما ارتفع الجسد صغرت الجغرافيا، وكلما تقدم العمر عظمت في القلب. فالطيار يعبر بلدًا في ساعات، أما المنفي فقد يحمل عمرًا كاملًا المسافة بينه وبين شجرةٍ تركها وراءه
ومن هنا أفهم كنفاني اليوم أعمق مما فهمته في شبابي، فالذاكرة عنده ليست بكاءً على الأطلال، بل مقاومةٌ للنسيان. وفلسطين ليست حكاية أرض مضت، بل حقٌّ في أن تبقى الأرض حيّة في وجدان أهلها، فلا تتحول إلى خبرٍ بارد في كتاب التاريخ
وأفهم في المقابل معنى الأردن في حياتي. فهو ليس محطةً بعد رحلة الأجداد، بل الوطن الذي وُلد فيه أبي، وفي صويلح امتدت جذور الأسرة من جديد، وصار للذاكرة القديمة بيتٌ تستطيع أن تسكنه من غير أن تمنع الحاضر من أن يكون وطنًا كاملًا
الموعظة. قد يحمل الإنسان في قلبه وطنًا أول تسكنه ذاكرةالأجداد، ووطنًا حاضرًا يسكنه بالوفاء، ولا تناقض بينهما. فالذاكرة تحفظ الأصل، والوطن يحفظ الحياة، ومن عرف مرارة الاقتلاع كان أقدر الناس على معرفة قدر الأرض التي آوته، وأشدهم يقينًا بأن الوطن ليس موضع القدم وحده، بل الموضع الذي تقول فيه الروح، بعد طول ترحال. هنا لي بيت، وهنا لي أهل، وهنا لن أكون غريبًا