إنسان معلّق بين الممكن والمستحيل
خاطرة صباحية
الإنسان المعاصر يعيش معلّقًا—لا يهبط ليستقر، ولا يصعد لينطلق
يقف في حالة انتظار دائمة، يبحث عن الخيار الأمثل، القرار الكامل، اللحظة التي لا تأتي أبدًا
تتحول الحياة إلى وضعية “استعداد” مستمرة، ويبدو الفعل مخاطرة أكبر من الاحتمال
خاطرة مسائية
في هدوء المساء، يتكشّف لي أن مأزق الإنسان المعاصر ليس في قلّة الإمكانات، بل في فيضها. لقد انتقلنا من الخوف من الحرمان إلى الخوف من الاختيار. لم نعد نقلق لأن الباب مغلق، بل لأن الأبواب مفتوحة جميعًا. وكل باب مفتوح يحمل في داخله احتمالًا لفقدان الأبواب الأخرى، فنقف أمامها لا كفاتحين، بل كمترددين
التعليق بين الممكن والمستحيل ليس حالة عابرة، بل أسلوب عيش. نؤجل القرار بحجة البحث عن الأفضل، ونؤجل الفعل انتظارًا لصفاءٍ كامل لن يأتي. نتصور أن هناك لحظة مثالية سيزول فيها الشك، ويتلاشى فيها الخطر، وتتضح فيها الرؤية تمامًا. لكن تلك اللحظة وهمٌ جميل؛ فالحياة بطبيعتها ناقصة، وكل اختيار فيها مشوب بنقص ما
في وفرة الخيارات يتكاثر القلق، لأن كل قرار يصبح إعلانًا عن خسارة أخرى. حين تختار طريقًا، تعترف ضمنًا بأنك تخلّيت عن طرق كثيرة. ولهذا نحاول الاحتفاظ بكل الإمكانات حيّة في أذهاننا، كأننا نؤجل موتها. لكن الإمكان الذي لا يتحول إلى فعل يذبل بصمت، ويتحول مع الوقت إلى حسرة
المفارقة أن الخوف من الخطأ قد يقود إلى الخطأ الأكبر: ألا نعيش. نبقى في حالة استعداد دائم، نراجع ونقارن ونحلل، بينما الزمن يمضي بلا انتظار. نستهلك الاحتمالات كما نستهلك الصور—نمرّ عليها، نتأملها، ثم نغلق الشاشة دون أن نخوض التجربة. وهكذا نصبح خبراء في التقييم، لا في العيش
الحكمة لا تكمن في ضمان النتيجة، بل في قبول المخاطرة التي يحملها كل انحياز. أن تدرك أن أي طريق تسلكه لن يكون كاملًا، لكنه سيكون حقيقيًا لأنه طريقك. فالممكن لا يصبح واقعًا إلا حين يجرؤ الإنسان على أن يختار، لا لأنه متأكد تمامًا، بل لأنه مستعد لتحمّل تبعات اختياره
ومن يظل معلّقًا بين الممكن والمستحيل، قد يحافظ على نقاء الاحتمالات… لكنه يخسر دفء التجربة. أما من يهبط إلى أرض القرار—مهما كانت ناقصة—فهو وحده الذي يحوّل الإمكان إلى حياة